ultracheck
رأي

العدوان على إيران.. كيف يمكن أن يهمنا في تونس؟

28 فبراير 2026
إيران Getty
"مغامرة ترامب العنيفة المتواصلة المعنونة "السلام عبر القوة" ستُهدّد الأمن العالمي.." (Getty)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاوي أكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي  

 

نحن بلا شك بصدد عدوان متجدد على إيران، من زاوية القانون الدولي. ما يحدث هو ترسيخ أقوى لمنطق "ديبلوماسية مدافع البوارج" (Gunboat Diplomacy) حيث يتم السعي لفرض مسارات تصل إلى تغيير أنظمة سياسية عبر منظومات عسكرية متقدمة تستطيع الضرب دون الحاجة لتعبئة جيوش جرارة.

وهي خطوة أخرى حاسمة في فرض معادلة أميركية جديدة تحدد بالقوة وبدون أي صيغ ناعمة الخطوط الحمراء ومن له حق البقاء وشروط الوجود السياسي. طبعًا مغامرة ترامب العنيفة المتواصلة المعنونة "السلام عبر القوة" ستُهدّد الأمن العالمي وتنهي بوضوح وبشكل حاسم المنظومة الدولية التي أرستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية. لكن من الواضح أن مسرح تنزيلها وتنفيذها يمر بشكل واضح من "مناطق مفاتيح" ومنها المنطقة العربية.

لن نغوص هنا في التحليل العام، بل أساسًا في مسألة كيف يمكن أن تهمنا الحرب في بلدنا. يتعلق الأمر طبعًا بسيناريوهات لا نتحكم فيها، ومن بينها طول أمد الحرب وأهدافها وتطورها، لكن هناك ما يمكن أن ندرك آثاره من زاويتنا الخاصة.

مغامرة ترامب العنيفة المتواصلة المعنونة "السلام عبر القوة" ستُهدّد الأمن العالمي وتنهي بوضوح وبشكل حاسم المنظومة الدولية التي أرستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية. لكن من الواضح أن مسرح تنزيلها يمر عبر "مناطق مفاتيح" ومنها المنطقة العربية

تهمنا الحرب على أكثر من مستوى: أولًا، العامة خاصة آثارها على توازن القوى في المنطقة ومن ثمة احتمال هيمنة الكيان وتمرير التطبيع على مستوى كل المنطقة.

ثانيًا، في علاقة بميولات السلطة الحالية التي تميزت بتوجه يعلن "الحياد" ويركز عمليًا على التأرجح بين محاور مختلفة، ومن المثير طبعًا التوجه نحو علاقة دافئة مع طهران، وكيف يتم النظر إلى ذلك من قبل واشنطن.

ثالثًا، على مستوى خاص بتونس يتعلق بتأثرها مثل أي دولة أخرى، بسبب تداعيات الحرب على إمدادات الطاقة والمواد الغذائية ومن ثمة آثارها على مستويات العيش.

اقرأ/ي أيضًا: رابطة حقوق الإنسان: العدوان على إيران يعدّ انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي

الهدف المعلن الواضح للعملية الأميركية-الإسرائيلية هو إنهاء النظام في الأقصى أو تغيير سلوكه في الأدنى، واستهداف مرشد الثورة خامنئي هو أهم مؤشر واضح على ذلك. حيث تم تجاوز نقطة "تخصيب اليورانيوم". ويعني ذلك محاولة إنهاء "محور المقاومة" بشكل حاسم، أو على الأقل إضعافه إلى درجة تجعل تأثيره في المنطقة في مستويات دنيا في المستقبل المنظور. إن نجحت هذه الخطة فسيكون ذلك أساسًا للانطلاق نحو توسع في هيمنة الكيان بشكل غير مسبوق، وسيصبح مشروع "إسرائيل الكبرى" متاحًا ليس بالضرورة عسكريًا في المرحلة القادمة، لكن بمعنى هيمنة اقتصادية وثقافية "كبرى" في مجمل المنطقة العربية.

ستكون المملكة العربية السعودية في وضع ضعيف يجعل قبولها بالتطبيع وإلحاقها بهيمنة الكيان أمرًا حتميًا آجلًا أم عاجلًا. سقوط المملكة سيفتح الباب بشكل كامل للضغط على بقية دول المنطقة، نظرًا للموقع السعودي الاستثنائي رمزيًا وماليًا في المنطقة. وحتى توجه المملكة مع القاهرة لمواجهة "مشاريع الفوضى" (اليمن، الصومال، السودان..) أي التوجه الإماراتي لدعم التوجه الإسرائيلي بشكل كامل ستصبح محدودة بإكراهات موازين القوى.

توجه السلطات التونسية لعلاقات أفضل في الأشهر القليلة الماضية مع واشنطن، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته منذ وصول السفير الأميركي الجديد.. يعكس توجهًا تونسيًا لاستدراك في العلاقة يتجه لأن تكون أكثر دفئًا، ربما توقعًا لتغيرات محتملة في المنطقة

تقف تونس مع الجزائر والعراق في السياق العربي في صف الممتنعين عن التطبيع، وتم التأشير على ذلك بوضوح في القمم العربية الأخيرة خاصة عند التصويت على القرارات المتعلقة بالحرب على غزة واستتباعاتها، حيث تقترب الدول الثلاثة في موقف "يتحفظ" على التوجه العربي العام القريب بهذا الشكل أو ذاك من السياسات الأميركية. وهنا كانت نبرة الموقف التونسي أعلى سقفًا نسبيًا بتجنبها عمومًا أي قرار أو تصويت، بما في ذلك في الأمم المتحدة، يتعلق بالإقرار بقرار التقسيم أو قرار 242 الذي يعترف بالكيان، وتأتي هنا تصريحات الرئيس قيس سعيّد المتواترة حول تحرير أرض "فلسطين، كل فلسطين".

ورغم تجنب الرئيس دعم مقترح قانون تجريم التطبيع، ورفضه لاعتماد الكلمة في حدّ ذاتها، فإن ذلك يعكس التوجه المتأرجح عمومًا، الذي يحافظ على موقف الحد الأدنى أي رفض التطبيع عمليًا، لكن أيضًا عدم الاضطرار إلى جعل ذلك نقطة مواجهة مفتوحة مع حلفاء تونس التقليديين من الأطراف الغربية.

وانعكس ذلك في محطات مختلفة منها القرار السياسي لاستقبال وتسهيل "فلوتيلا" الصمود، البلد العربي الوحيد الذي وافق على إرسائها في الساحل التونسي، لكن أيضًا تجنب إعلان الكيان كطرف معتدٍ عند قصف أجهزته "الفلوتيلا".

عمومًا يجب أن تتوقع تونس ضغطًا رهيبًا في اتجاه محاولة توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية. وهنا موقف النواب الجمهوريين المعزولين حتى الآن في الكونغرس مثل جو ويلسون، الذي يركز على اعتبار تونس طرفًا معاديًا وربطها باستمرار بمحور المقاومة، سيصبح موقفًا أكثر وضوحًا وبروزًا على الأرجح لدى أوساط اخرى من نواب مؤثرين أكثر بكثير من ويلسون من بينهم تيد كروز.

سيتم اعتبار التقارب الرمزي حتى الآن بين تونس وطهران في السنوات الأخيرة مبررًا لذلك. أعتقد عمومًا أن توجه السلطات التونسية لعلاقات أفضل في الأشهر القليلة الماضية مع واشنطن، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته منذ وصول السفير الأميركي الجديد وفي اللقاءات العديدة والنشيطة التي يقوم بها مع مختلف الوزارات (الأمر الذي اختفى تقريبًا مع السفير السابق)، يعكس توجهًا تونسيًا لاستدراك في العلاقة يتجه لأن تكون أكثر دفئًا، ربما توقعًا لتغيرات محتملة في المنطقة.

الحرب تبدو، بالنسبة لنا كتونسيين، بعيدة آلاف الأميال نراقبها بشغف متفاوت كأنها لعبة في المنصات التلفزية، لكنها قريبة جدًا في تأثيراتها.. من البديهي أن أول الآثار ستكون في علاقة بحاجتنا الاستراتيجية لاستيراد النفط والغاز

من البديهي أن أول الآثار ستكون في علاقة بحاجتنا الاستراتيجية لاستيراد النفط والغاز، خاصة أن ميزانية الدولة لسنة 2026 التي حددت إحداثياتها على سعر برميل النفط بما لا يتجاوز 63.6 دولارًا. وفقا للنماذج المتداولة فإن كل زيادة بدولار واحد في سعر البرميل تترجم آليًا إلى أعباء إضافية تتراوح بين 162 و164 مليون دينار.

تقديرات المحللين الخبراء في السوق العالمية للنفط تشير إلى أن الأسعار يمكن أن تقفز في الحد الأدنى إلى 100 دولار للبرميل، خاصة أنه يتم تهديد الملاحة في مستوى مضيق هرمز، وأيضًا حقول النفط في أهم الدول الخليجية المنتجة خاصة في المملكة العربية السعودية، وهي حقول قريبة جدًا وسهلة الاستهداف. سيكون ذلك ممكنًا لو شعر النظام الإيراني أنه مهدد وجوديًا، وأن الحشد الأميركي في هذه الدول أصبح حاسمًا في الضربات العسكرية.

أي ارتفاع لأسعار النفط يعني تأثيرات اقتصادية سلبية هائلة خاصة للدول المستوردة للنفط. بما في ذلك في سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الغذائية. المسألة لا تتعلق فقط بتونس بل أيضًا بإفريقيا جنوب الصحراء. سابقًا كان ذلك أمر لا يهمنا لكن الآن أصبح يهمنا أكثر فأكثر بما أن تونس التي توجد في الرواق الأوسط للهجرة غير النظامية، أصبحت من بين المسارب الأساسية للمهاجرين القادمين من هناك، والذين يتأثرون بشكل أكبر بأي تقلبات اقتصادية عالمية وارتفاع مستويات التضخم.

أخيرًا هناك استتباع آخر متوسط الأمد وهو إمكانية أن تشكل أي فوضى في المنطقة فرصة لاستعادة تنظيم "داعش" لقدراته، وهو ما يعني أن المكون التونسي، غير الواضح بدقة حتى الآن، يمكن أن يستعيد نشاطه ويخرج من السبات الحالي. أي مشاريع تؤدي للفوضى هي مشاريع جذابة لتنظيمات مثل "داعش" بالضرورة.

الحرب تبدو، بالنسبة لنا كتونسيين، بعيدة آلاف الأميال نراقبها بشغف متفاوت كأنها لعبة في المنصات التلفزية، لكنها قريبة جدًا في تأثيراتها.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

بلدية تونس بلديات Nicolas Fauqué  Corbis.jpg

البلديات التونسية في مهب رياح العبث

بعد مرور 3 سنوات كاملة على حلّ المجالس البلدية المنتخبة وإسناد تسييرها إلى الكتّاب العامين (الإدارة البلدية)، لا نزال إلى اليوم لا نعرف إن كانت ستعود إلى سالف عملها تحت إشراف مجالس منتخبة، أم لا


ضياع قرينة البراءة أمام قضاء منزوع الاستقلالية

ضياع قرينة البراءة أمام قضاء منزوع الاستقلالية

الضحية ليس المتهم الذي يظلّ بريئًا إلى أن تثبت إدانته، ولكنها قرينة البراءة التي تعدّ حق جوهري لكل فرد، وهي حجر الأساس في الدفاع، ومن حولها ضمانات المحاكمة العادلة


تونس   FABRICE COFFRINI AFP Getty

500 دجاجة وكلب ونخّالة!

"المشهد الّذي يختزل تونس في 500 دجاجة وكلب ونخّالة، ليس سوى انعكاس لسياسة إدارة البلاد بعناوين صغيرة في زمن أحداثٍ كبيرة.."


أنس الحمادي جمعية القضاة الشاذلي بن إبراهيم.jpg

محاكمة أنس الحمادي.. يوم أسود للقضاء التونسي

لا خيار إلا مزيد التمسّك بالدفاع عن استقلال القضاء والتنبيه من الاعتداءات الممنهجة على ضماناته، والتصدّي عبر ممارسة حريات التعبير والنشر وعبر إنفاذ حق التنظم للقضاة وبالخصوص عبر التفاف القضاة على الجمعية

رضيع.jpg
مجتمع

تراجع عقود الزواج في تونس بين 2019 و2023 بأكثر من 12% مع انخفاض عدد الولادات

المعهد الوطني للإحصاء: رغم المنحى التصاعدي المسجّل بين سنتي 2021 و2023، حيث ارتفعت حالات الطلاق بنسبة تقارب 27,2% (من 12 ألفًا و589 حالة إلى 16 ألفا و12 حالة)، فإن العدد الجملي للطلاق سجّل تراجعًا بنحو 7,5% مقارنة بسنة 2019

إيقاف طويل واتهامات غير واضحة: حملة ضد تجريم العمل المدني تدافع عن عبد الله سعيد"
مجتمع

سنة سجنًا ضدّ الناشط الحقوقي عبد الله السعيد والنيابة تستأنف

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ملف عبد الله السعيد أحيل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي أقرّ بغياب أي شبهة إرهابية، قبل أن يُعاد إلى المحكمة الابتدائية بمدنين. ورغم توجيه تهم خطيرة في مرحلة أولى، تم التخلي عنها لاحقًا والاكتفاء بتتبعات ذات طابع مالي.


جدل في تونس حول التفريط في سندات الكربون والسيادة الطاقية لصالح مستثمرين أجانب
اقتصاد

جدل في تونس حول التفريط في سندات الكربون والسيادة الطاقية لصالح مستثمرين أجانب

عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز: اللزمات يجب أن تخضع لتقييم خاصة لزمات ديسمبر 2019 والتي كلّفت الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز خسائر بمئات المليارات

معرض تونس الدولي للكتاب_1.jpg
مجتمع

مواعيد حافلات النقل العمومي للدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب

شركة نقل تونس: توفير حافلات لتأمين سفرات خاصة لفائدة التلاميذ يوم الأحد 26 أفريل 2026 في اتجاه قصر المعارض بالكرم ذهابًا على الساعة العاشرة صباحًا من أمام المكتبات الجهوية بكلّ من ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنّوبة وإيابًا على الساعة الثانية بعد الزّوال من أمام قصر المعارض بالكرم

الأكثر قراءة

1
مجتمع

الخميس.. معطلون عن العمل يحتجون للمطالبة بسقف زمني واضح لانتدابهم


2
مجتمع

الحزام الأخضر.. رهان بيئي جديد لمجابهة التصحر في تونس


3
مجتمع

حفلات الطلاق في تونس.. لماذا يُحتفى بنهاية الزواج؟


4
مجتمع

الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال


5
سیاسة

جدل واسع في تونس بعد مداخلة دليلة بن مبارك في البرلمان الأوروبي