ultracheck
مجتمع

الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال

20 أبريل 2026
الطين  مريم الناصري الترا تونس
حرفية تمتهن صناعة الفخار تتحدّث لـ"الترا تونس": أصعب مرحلة في هذه الرحلة هي مرحلة حمل الطين عند العودة (مريم الناصري/الترا تونس)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

تتربع قطع طينية على طول عدّة طرقات مؤدية إلى قرية سجنان أو بعض القرى الأخرى في طبرقة وعين دراهم وبنزرت. تبدو للناظر أنّها مجرد تحف صقيلة الأطراف، ناعمة الملمس للديكور والزينة أو لبعض الاستخدامات المنزلية. لكن خلف هذا الصفاء، تمتد رحلة شاقة ولدت من رحم الجبال، هناك، حيث خاضت عدّة نساء معركة الصبر. تحملن على أعتاقهنّ ثقل الطريق وعوز الأيام. بأيديهنّ اللتين رسمت الخشونة ملامحها، عركن الطين وواجهن قسوة الطبيعة، ليودعن في كل انحناءة زفرة من أنفاسهنّ، وفي تفاصيل كل قطعة حكاية لم تُرو بعد.

مع بزوغ أول خيط من نور الفجر، تبدأ الحكاية. في أعالي جبال عدّة مناطق ريفية، لا سيما في سجنان وطبرقة حيث الطرقات والمسالك الوعرة، تتحرك ظلال نساء يحملن على أكتافهن حكايات أثقل من الطين الذي جئن لأجله.

في قرى الشمال التونسي، صناعة الفخار ليست مجرد حرفة، بل هي هوية. فكل آنية "قلة" أو "طاجين" أو "مبخرة" هي سجل للمسافات التي قُطعت، والبرد الذي استُحمل، والجوع الذي أُجّل. هي شاهدة على نساء جعلن من الطين ذهبًا، ومن الوجع فنًا

هناك، يُقاس الوقت بعدد الرحلات التي تقطعها الأقدام الحافية أو المثقلة بأحذية مهترئة، بحثًا عن مادة أولى لصناعة حياة كاملة من الطين.

الهواء في هذه المرتفعات ليس مجرد ريح باردة، بل هي لسعة حادة تخترق الثياب البالية لتُلامس العظام. ففي قرية نائية في سجنان تحديدًا، تستيقظ النساء قبل الجميع، ويتجهن نحو الجبل في صمت جماعي يكسره أحيانًا صوت حوافر الحمير أو همسات متقطعة تحاول طرد النعاس.

 

  في قلب الجبل، تُمتحن القوة. فالبحث عن الطين الممتاز يتطلب الحفر عميقًا (مريم الناصري/الترا تونس)

 

 

ترتدي أغلبهن أزياء تقليدية داكنة اللون، تلف رؤوسهن لحاف قطنية سميكة لتحميهن من برد الصباح القارس الذي يجمد الأطراف، ومن لهيب الشمس الحارق الذي ينتظرهن لاحقًا في رحلة العودة. على ظهورهن، يحملن أكياسًا كبيرة من البلاستيك الخشن، خاوية الآن، لكنها ستصبح بعد ساعات عبئًا تنوأ به ظهورهنّ.

  • رحلة الصعود.. معركة مع التضاريس والزمن

تقول فاطمة، وهي امرأة في الخمسين من عمرها، تمتهن صناعة الفخار منذ أكثر من ثلاثين عامًا: "نخرج قبل طلوع الشمس، نمشي قرابة ساعة أو أكثر، حسب المكان. الطين الجيد لم يعد قريبًا كما كان. في كل مرّة نضطر للصعود أعلى، والتوغل في شعاب لم تطأها قدم منذ زمن".

تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسها، ثم تتابع وهي تنظر لأعلى الطريق كأنّها تختبر المسافة بنظرها: "هذه الرحلة ليست فقط تعبًا جسديًا، بل معركة مع الوقت والزمن، فعلينا أن نجمع حاجتنا من الطين ونعود قبل ارتفاع الحرارة".

اقرأ/ي أيضًا: خزف سيدي سعيدان بسوسة.. موروث تقليدي بأنامل حرفيات مبدعات

وتضيف في حديثها مع "الترا تونس": "تعوّدنا على هذا العمل منذ سنوات، وأغلب النسوة هنا ممن يتقنّ صناعة الفخار والأواني، يجلبن ما يحتجنه من مواد أولية بأنفسهنّ، رغم مشقة البحث عن الطين من المناطق الوعرة".

الطريق إلى الطين ليس ممهدًا. هو عبارة عن مسالك ضيقة متعرجة، تارة تنزلق فيها الأقدام بسبب طين الشتاء المتبقي، وتارة تتعثر بالصخور. الصمت هنا مهيب، لا يقطعه إلا حفيف الأشجار البعيدة وصوت أنفاس النساء المتصاعدة كبخار في الهواء البارد. تبدو الحياة الريفية هنا في أبهى صورها الجمالية للناظر من بعيد، لكنها في العمق حياة من التحدي، تتطلب صبرًا لا يملكه إلا من خبر العيش في هذه الأرض.

فاطمة تمتهن صناعة الفخار منذ أكثر من 30 عامًا تتحدث لـ"الترا تونس": تعوّدنا على هذا العمل منذ سنوات، وأغلب النسوة هنا ممن يتقنّ صناعة الفخار والأواني، يجلبن ما يحتجنه من مواد أولية بأنفسهنّ، رغم مشقة البحث عن الطين من المناطق الوعرة

تتوزع النساء على المنحدرات، يفتشن في الأرض عن الطبقات الطينية المناسبة. ليست كل التربة صالحة. الخبرة وحدها تقودهن إلى اللّون والملمس المطلوبين. يحملن معاول صغيرة، يبدأن في الحفر بحذر، ثم يجمعن الطين في كتل متماسكة.

 

 يست كل التربة صالحة. الخبرة وحدها تقودهن إلى اللّون والملمس المطلوبين (مريم الناصري/الترا تونس)

 

 

بعضهنّ تغوص أيديهن في التراب البارد، تختلط خطوط الكف بالوحل، وكأن العلاقة بينهن وبين الأرض أعمق من مجرد عمل يومي، إنها طقس من طقوس البقاء. تبرز عروق أيديهن مع كل ضربة معول، وتظهر شقوق الجلد التي تشبه شقوق الأرض في مواسم الجفاف.

هنا، في قلب الجبل، تُمتحن القوة. فالبحث عن الطين الممتاز يتطلب الحفر عميقًا، والتعامل مع أتربة قد تنهار في أيّ لحظة. العمل هنا يدوي بامتياز، لا آلات، لا مساعدة، فقط العضلات والإرادة.

  • رحلة العودة: العبء الأكبر

تقول خديجة وهي شابة في الثلاثين، تروي جانبًا آخر من هذه الرحلة: "أصعب شيء هو حمل الطين عند العودة. فوزن الكيس الواحد قد يصل إلى عشرين كيلوغرامًا، وأحيانًا أكثر. إذا لم نجد حمارًا، نحمل الأكياس على ظهورنا".

رحلة العودة هي اختبار حقيقي لصمودهنّ. الأكياس الممتلئة بالطين الرطب تزن أضعاف وزنها بسبب الرطوبة. تنحني الظهور، وتغرس الأقدام بقوة في الأرض لتثبيت الخطوات أثناء النزول. في هذه اللحظات، يتحول البرد الصباحي إلى عرق يتصبب رغم برودة الجو. تتصبغ الملابس بلون الأرض.

حرفية تمتهن صناعة الفخار تتحدّث لـ"الترا تونس": أصعب مرحلة في هذه الرحلة هي مرحلة حمل الطين عند العودة. فوزن الكيس الواحد قد يصل إلى عشرين كيلوغرامًا، وأحيانًا أكثر. وإذا لم نجد حمارًا، نضطرّ لحمل الأكياس على ظهورنا

تبتسم خديجة بخفة رغم التعب، وتضيف بلهجة واثقة: "لكن عندما نرى قطع الفخار بعد أن تُصنع، ونشاهد ألوانها الطبيعية وزخارفها التي رسمناها، نشعر أنّ كل هذا العناء لم يذهب سدًى. تلك القطعة هي قطعة منا".

ففي قرى الشمال التونسي، صناعة الفخار ليست مجرد حرفة، بل هي هوية. فكل آنية "قلة" أو "طاجين" أو "مبخرة" هي سجل للمسافات التي قُطعت، والبرد الذي استُحمل، والجوع الذي أُجّل. هي شاهدة على نساء جعلن من الطين ذهبًا، ومن الوجع فنًا.

اقرأ/ي أيضًا: قيس سعيّد: تعطل مشروع القرية الحرفية في سجنان رغم ما رصد من أموال تم الاستيلاء عليها

ولا تنتهي المهمة بالوصول إلى البيت. بل تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة وهي تصفية الطين من الشوائب، وعجنه بالماء لساعات طويلة حتى يصبح أملسًا وناعمًا يسهل تطويعه عند الصنع. وتعتمد استمرارية حرفة الفخار على استراتيجية التخزين الموسمي التي تتقنها النساء الحرفيات، إذ يُحفظ الطين في أكياس بلاستيكية أو براميل محكمة لضمان بقاء الرطوبة اللازمة لعملية التشكيل. ويعد فصل الشتاء الفترة الذهبية لجمع المادة الخام، نظرًا لسهولة استخراج التربة اللينة بعد الأمطار. هذا الاستباق يوفر عليهن مشقة العمل في الصيف، حين تجف الأرض وتزداد صلابتها، مما يُحوّل عملية التنقيب عن الطين إلى مهمة مجهدة تتطلب أدوات حادة وجهدًا بدنيًا شاقًا، ليتحول المخزون الشتوي إلى صمام أمان لإنتاجية الصيف، ثم تشكيله يدويًا دون استعانة بآلات حديثة. إذ تُستخدم في كل مراحل الفخار تقنيات تقليدية تعود لآلاف السنين، وتُنقش القطع بأصباغ طبيعية مستخرجة أيضًا من النباتات، فكل شيء طبيعي.

إن هؤلاء النساء، بظهورهن المحنية وأيديهن المصبوغة بلون الجبل، يمثلن الروح الحقيقية للأرض. هنّ اللواتي يحفظن للتراث نبضه. وعندما تشتري تلك التحف المعروضة في المعارض وفي واجهات المحلات أو على قارعات الطريق، تذكر دائمًا أنها لم تأتِ من فراغ، بل ولدت من صرخة تعب في فجر بارد، ومن خطًى تحدت منحدرات جبال وعرة.

الكلمات المفتاحية

الحج في تونس

طقوس الحج في تونس.. عرس للروح وتراث لا يموت

لا تقل عودة الحجاج بعد أدائهم شعيرة الحج، حماسةً عن الوداع؛ إذ يُستقبل الحاج في تونس، بقرع الدفوف والورود وسط أجواء تعبق برائحة البخور. وتكتمل الفرحة بذبح الخراف وإقامة الولائم الكبرى، حيث يتصدر "الكسكسي التونسي بالعلوش" الموائد، تعبيرًا عن شكر النعمة.


"المدرسون على حافة الفقر".. نقابات التعليم الأساسي والثانوي تندد بقرارات وزارة التربية

مرصد: أفريل الشهر الأعلى احتجاجًا في تونس والأزمة الاجتماعية تعمّق الاحتقان

المرصد الاجتماعي التونسي: نسق الحراك الاحتجاجي يواصل نسقه التصاعدي في تونس، وشهر أفريل 2026، شهد أعلى عدد من التحركات منذ بداية السنة


ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ

ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ

سنة البكالوريا ليست مجرد محطة دراسية، بل هي اختبار حقيقي لوعي الأسرة وقدرتها على حماية توازنها الداخلي، حتى لا يكبر بعض أبنائها وهم يحملون شعورًا خفيًا بأنهم كانوا، يومًا ما، على هامش الحكاية


التصحر الحزام الأخضر تسنيم ناصري الأناضول  Getty

الحزام الأخضر.. رهان بيئي جديد لمجابهة التصحر في تونس

مشروع "الحزام الأخضر" يهدف إلى تعزيز الغطاء النباتي ومكافحة التصحر وتحسين التوازن البيئي في 6 ولايات.. فماذا تعرف عنه؟

هل سجّلت تونس إصابات بفيروس هانتا؟ وزارة الصحة تتفاعل
مجتمع

هل سُجّلت إصابات بفيروس هانتا في تونس؟ وزارة الصحة تتفاعل

وزارة الصحة التونسية: نواصل متابعة الوضع الصحي العالمي، وتعزيز منظومة اليقظة الصحية والترصد الوبائي والاستعداد والاستجابة، خاصة عبر نقاط الدخول والمصالح المختصة، بما يضمن الكشف المبكر والتعامل السريع مع أي تطورات محتملة

قابس حكمة
مجتمع

أهالي قابس يقرّرون العودة إلى الاحتجاجات لتحقيق مطلب تفكيك الوحدات الملوّثة

حملة "أوقفوا التلوث": سنواصل رفع أصواتنا في بكل الأشكال الممكنة والمتاحة  إلى حين تحقيق مطلبنا بتفكيك الوحدات، وتحمل الجميع مسؤوليتهم أمام الإبادة البيئية والجرائم ضد الطبيعة والإنسان


جربة زمن الشعبوية والهويات الطاردة
رأي

جربة زمن الشعبوية والهويات الطاردة

من الواضح أن من اختار كتابة أسماء هذه الدول الإفريقية الثلاث لديه لبس جغرافي وعدم معرفة بالمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء القادمين إلى بلادنا والراغبين في الهجرة إلى الضفة الشمالية للمتوسط

عيد الأضحى خروف العيد بلعيد_0.jpg
مجتمع

موعد عيد الأضحى 2026 في تونس

مفتي الجمهورية التونسية: يوم الاثنين 18 ماي 2026، هو أول أيام شهر ذي الحجة 1447 هجري، وأنّ عيد الأضحى المبارك يكون يوم الأربعاء 10 ذي الحجة 1447 الموافق ليوم 27 ماي 2026

الأكثر قراءة

1
سیاسة

مسيرة احتجاجية غاضبة "ضدّ الظلم والقمع والغلاء" في تونس


2
منوعات

رياض بنور يغادر الترجي الرياضي التونسي.. إليك أبرز تصريحاته


3
مجتمع

معدل الخصوبة في تراجع.. توقعات بنمو سكاني ضعيف في تونس


4
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا لتبلغ 24.2% في تونس


5
منوعات

أيوب مخفاوي يختار تمثيل منتخب تونس.. تعرّف على قصته