ultracheck
مجتمع

الصمت العقابي.. حين يتحوّل التواصل السلبي بين الشريكيْن إلى ابتزاز نفسي مدمّر

26 نوفمبر 2025
الصمت العقابي.. حين يتحوّل التواصل السلبي بين الشريكيْن إلى ابتزاز نفسي مدمّر
أخصائية علاقات لـ"الترا تونس": من يمارس الصمت العقابي غالبًا ما يكون قد تعرّض في طفولته لنفس الأسلوب من والديه أو محيطه (صورة تعبيرية/ Getty)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحيصحفية من تونس

تمثل ظاهرة الصمت العقابي في العلاقات العاطفية، آلية غير مباشرة للعقاب تؤثر بشكل عميق على الحالة النفسية للأفراد.

ليلى، امرأة في أواخر الثلاثينات، عاشت تجربة الصمت العقابي كعقاب منظّم من قبل شريكها، حيث كان غيابه وعدم الرد على رسائلها وسيلة لإثارة الألم والضغط النفسي. هذا الوضع دفعها للعيش في حالة من القلق والتوتر، وكانت تشعر وكأنها محبوسة في غرفة مغلقة لا مفر منها.

تغيرت حياة ليلى تدريجيًا حيث تحولت من حالة انتظار الكلمة إلى حالة تقبّل الغياب كجزء من واقعها، لكنها لم تتمكن من التخلص من الأثر النفسي العميق لهذا الصمت، الذي أدى إلى تعرضها لمرض نفسي اضطرها إلى العلاج. ومع مرور الوقت، اتخذت قرار الابتعاد كحل لإنقاذ نفسها من دائرة الألم والصمت القاتل، وفق ما أكّدته معالجتها النفسيّة لـ"الترا تونس".

تحذيرات من اللجوء إلى استخدام الصمت العقابي في العلاقات العاطفية، بعد أن تحولت الظاهرة إلى آلية غير مباشرة للعقاب تؤثر بشكل عميق على الحالة النفسية للأفراد، وفق مختصين

هذه الحالة تبرز جانبًا من التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجهها النساء اللاتي يتعرضن للصمت العقابي في العلاقات، وهو موضوع يتطلب اهتمامًا وتحليلًا أعمق في المجتمع التونسي لتوفير الدعم والمساندة القانونية والنفسية للمتضررين.

  • سيدة الجلاصي: الصمت العقابي أخطر أساليب العنف النفسي

وفي هذا الإطار، تؤكّد أخصائية العلاقات سيدة الجلاصي لـ"الترا تونس"، أنّ الصمت العقابي ليس مجرّد انقطاع مؤقت عن الكلام، بل هو "أخطر أساليب العنف النفسي التي تُمارَس داخل العلاقات تحت غطاء المعاتبة أو الحفاظ على الطرف الآخر"، موضّحة أنّ الكثيرين يبرّرون لجوءهم إليه بالرغبة في إيصال رسالة أو استرجاع السيطرة، "لكن الحقيقة أنّه تدريب قاسٍ للطرف المقابل على الخضوع، حيث يُجبره الصمت على الركض خلف الإجابات والقبول بما يُملى عليه".

وتشرح الجلاصي أنّ الصمت العقابي قد يمتدّ لأيام، أسابيع، وأحيانًا لأشهر كاملة، رغم أنّ من يمارسه غالبًا ما يكون حاضرًا في عمله، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، ويتفاعل مع الجميع.. ما عدا الشخص المستهدف. وتضيف: "هو لا يختفي فعلاً، بل يحضر في كل مكان إلا في علاقة يريد إخضاعها".

 

أخصائية علاقات لـ"الترا تونس": النساء هنّ الأكثر تضرّرًا من أسلوب الصمت العقابي (صورة تعبيرية/ Getty)

 

وتستشهد الجلاصي بحالة لمتدرّبة تقول إنّها عاشت ثلاثة أشهر من القطيعة التامة مع حبيبها، دون تفسير، فقط لأنها طالبت بحقوق بسيطة: أن تكون أولوية في حياته، أن يُجيب على اتصالاتها، وأن يشاركها تفاصيل يومه. لكن مطالبها قوبلت بـ"صمت عقابي كامل"، جعلها تتساءل إن كانت هي السبب، وأدخلها في دوامة من الخوف والارتباك.

اقرأ/ي أيضًا: النفقة أو السجن.. عندما يضع الطلاق الرجل أمام خيارين في تونس

وتشدّد المختصّة في العلاقات في تصريحها لـ"الترا تونس" على أنّ النساء هنّ الأكثر تضرّرًا من هذا الأسلوب، "فالمرأة كائن تعبيري بطبعه، تحتاج إلى الكلام، إلى الاحتواء، إلى تفسير الأشياء، إلى الدفاع عن مشاعرها. وعندما تُحرم من سندها، يولد داخلها قلق نفسي وتشوّش عاطفي يمتدّ إلى شعور بالفقد والضياع والحزن"، وفقها.

وتلفت سيّدة الجلاصي إلى أنّ من يمارس الصمت العقابي غالبًا ما يكون قد تعرّض في طفولته لنفس الأسلوب من والديه أو محيطه على أنه طريقة للتربية أو التأديب.. "ولهذا يراه وسيلة مشروعة للضغط".

سيدة الجلاصي (أخصائية علاقات) لـ"الترا تونس": الصمت العقابي هو ابتزاز عاطفي من الدرجة الأولى، ومع تكراره يتحوّل إلى حلقة سيطرة لا يخرج منها الطرف المتضرر إلا بعد خسائر نفسية كبيرة

ومع ذلك، إذا انعكس الوضع وواجه الشخصُ الصمتَ بصمتٍ مماثل، سرعان ما يسعى المسيطِر لاستعادة الحوار، لأنه يفقد سلاحه الوحيد حينها.

وتحذّر الجلاصي من تأثير هذا الأسلوب على الأطفال خصوصًا، فهو "يهدم ثقتهم بأنفسهم، ويزرع الخوف وعدم التوازن، وقد يقود لاحقًا إلى التعلّق المرضي، أو حب السيطرة، أو الخضوع التام خوفًا من الفقد.. كما يؤدي إلى تغيّر مفهوم الحب لديهم، وتشويه التواصل، وإنتاج شخصيات عنيدة أو متسلّطة.

وتختم الأخصائية بقولها: "الصمت العقابي أسوأ وسيلة يمكن استخدامها داخل العلاقة. هو ابتزاز عاطفي من الدرجة الأولى، ومع تكراره يتحوّل إلى حلقة سيطرة لا يخرج منها الطرف المتضرر إلا بعد خسائر نفسية كبيرة".

 

أخصائية العلاقات سيدة الجلاصي: الصمت العقابي أسوأ وسيلة يمكن استخدامها داخل العلاقة

 

  • دراسة: المجتمعات تهمل العنف النفسي باعتباره أقل خطورة

الصمت العقابي يُشبه ألمًا اجتماعيًا يُفعّل في الدماغ نفس مناطق الألم الجسدي مثل القشرة الحزامية الأمامية، ما يفسر شعور المتعرض له بألم نفسي حقيقي كالقلق والاكتئاب المؤقت.

ويعتبر هذا السلوك شكلًا من أشكال الإقصاء العاطفي، يسبب انخفاضًا في الثقة بالنفس وتدهورًا في الصحة النفسية والجسدية على المدى الطويل، إضافةً إلى تراجع الرضا في العلاقات الزوجية.

اقرأ/ي أيضًا: الطلاق الصامت في تونس.. قصص من الواقع عن ظاهرة مسكوت عنها

الصمت قد يُستخدم كوسيلة للتحكم أو العقاب أو بسبب تجنب المواجهة، وتأثيره يتحدد حسب نية الفاعل، فهو قد يكون دفاعًا أو إساءة متعمدة. دراسات العلاقات الزوجية ربطت بين نمط الانسحاب بالصمت (stonewalling) وتدهور رضا العلاقة، خاصة في الأزواج ذوي التعلق التجنبي، كما أن الصمت في العلاج النفسي لا يضمن زيادة التعبير العاطفي إذا لم يُستخدم ضمن إطار علاجي واضح.(1)

دراسات تؤكد أنّ من بين أسباب عدم الاعتراف الواسع بالصمت العقابي كنوع من الإساءة، هو غياب العلامات الظاهرة أو الإدانة العلنية المصاحبة للعنف الجسدي، إذ يميل المجتمع إلى التركيز على الأفعال العدوانية المباشرة

وفي داخل الأسر، قد يشكّل الصمت وسيلة مؤذية يستخدمها الوالدان لفرض السيطرة أو تحقيق الطاعة. فعلى سبيل المثال، قد يتجاهل أحد الوالدين طفله بعد خلافٍ ما، مستخدمًا الصمت كعقاب. وهذا يصنع إحساسًا بالخوف وعدم اليقين لدى الطفل، الذي يتعلّم ربط سلوكه بالانسحاب العاطفي من قِبل الوالد. وباختصار: يتحوّل هذا إلى لومٍ للذات. الأطفال الذين يعيشون هذا النوع من الإهمال العاطفي قد ينشأون بشعور بعدم الاستحقاق، ويعانون من القلق أو الاكتئاب لاحقًا. فغياب التواصل الصحي والدعم قد يعيق النمو العاطفي، ويجعل من الصعب على الناجين بناء علاقات سليمة في المستقبل. ولهذا يكبر أشخاص مثل جون ليدخلوا علاقات تعيد إنتاج الأنماط نفسها.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| أخصائية نفسية: الصحة النفسية ليست ترفًا ويجب تبنّي روتين يومي للحفاظ عليها

إحدى أسباب عدم الاعتراف الواسع بالعقاب بالصمت كنوع من الإساءة هو غياب العلامات الظاهرة أو الإدانة العلنية المصاحبة للعنف الجسدي. يميل المجتمع إلى التركيز على الأفعال العدوانية المباشرة، بينما يُهمَل العنف النفسي باعتباره أقلّ خطورة. كما أن هذا النوع من الإساءة يحدث غالبًا في الخفاء (داخل الأسر أو بين الأزواج) فيصعب اكتشافه. الأطفال الذين ينشأون في هذا الجو قد يشعرون بالارتباك والعار، لأنهم لا يعرفون بعد أن هذا السلوك غير صحي، وهذا يسهم في استمرار دورة الإساءة.(2)


(1)       https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2021.794942/full

(2)       https://www.psychologytoday.com/us/blog/invisible-bruises/202411/stonewalling-as-a-form-of-emotional-abuse

الكلمات المفتاحية

كورونا ناصر طلال الأناضول.jpg

نقص الأدوية في تونس.. منظمات: الأزمة هيكلية وفئات هشة تواجه خطر الموت

الكاتبة العامة للمجلس الوطني لهيئة الصيادلة ثريا النيفر قد أكدت في تصريح لـ"الترا تونس"، يوم الاثنين 12 جانفي/يناير 2026، أن "الصيدليات الخاصة تفتقر لعدة أدوية، لعدم إمكانية التزود بها خلال الفترة الأخيرة نتيجة أزمة السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية"


جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي

جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي

سوسن درين (مختصة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": العائلة التونسية تعيش أزمتها مع جيل زد الذي يبدو غير مفهوم وغامض ولا يحسن التعبير عن دواخله الضاجة وهواجسه المتلاطمة وأحلامه المختلفة.. هو جيل لا يمكن إغراؤه بسهولة، نظرته يغيب منها الانبهار والدهشة، لا يقيم طويلًا في لذة الأشياء..


من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.


وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…

طقس تونس بنزرت
منوعات

طقس تونس.. أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية وتساقط للبَرد

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 12 و18 درجة، وتصل إلى 24 درجة في أقصى الجنوب الشرقي

أنيس بوجلبان سامي القفصي الترجي الجرجيسي.jpg
منوعات

أنيس بوجلبان يغادر الترجي الجرجيسي وسامي القفصي مدربًا جديدًا

الترجي الجرجيسي: تقرر تعيين المدرب سامي القفصي للإشراف على فريق أكابر كرة القدم خلفًا لأنيس بوجلبان.. ماذا تعرف عن المدرب سامي القفصي؟


شبيبة العمران تونس.jpg
منوعات

الجولة 17 للبطولة.. الفوز لشبيبة العمران واتحاد بن قردان

انتهت الدفعة الأخيرة من مباريات الجولة 17 للبطولة التونسية بفوز كل من شبيبة العمران واتحاد بن قردان، في حين حسم التعادل مباراة نجم المتلوي ومستقبل سليمان

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا
رأي

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا

لأنّ التّغيّرات المناخيّة ليست أمرًا طارئًا ولا حدثًا معزولًا، فإنّه من الضّروريّ التّركيز على رسم أهداف واضحة في قطاعات ذات صلة، أهمّها على الإطلاق كيفيّة تحقيق السّيادة الغذائيّة، وإن بشكل تدريجيّ

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

تراجع عدد مسافري الخطوط التونسية بنسبة 5% سنة 2025


2
سیاسة

حسام الحامي: النظام يبتكر في كلّ مرّة تقنيات غير مسبوقة للتنكيل بأصحاب الرأي


3
مجتمع

نحو إخلاء مساكن بسيدي بوسعيد وهدم بنايات آيلة للسقوط بولاية تونس


4
سیاسة

حكم بالسجن 15 يومًا في حق المحامية دليلة مصدق والإعلامي برهان بسيس


5
منوعات

رابطة أبطال إفريقيا.. الكنزاري: كسب نقاط مواجهة سيمبا مهمّ للترجي