"الشّعب جيعان والحبس شبعان"
15 مايو 2026
مقال رأي
لستُ من عُشّاق اللّجوء إلى الأرقام حين يتعلّق الأمر بمآسي النّاس ومِحنها، عملًا بأحد أكثر الوُسوم إيلامًا في الإبادة الإسرائيليّة للفلسطينيّين "لسنا أرقامًا". لكن، رغم ذلك قد تكون الأرقام دالّةً بل وكاشفةً. ولعلّ أكثر الملفّات المزعجة، اليوم في تونس، هي الرّمي بالمئات وراء القضبان، بعد محاكمات صوريّةٍ لا تتوفّر فيها الحُدود الدّنيا من العدل. ولا يختلف اثنان – من أصحاب العقل الرّصين، على الأقلّ – أنّ ماراثون الملاحقات القضائيّة اتّخذ، منذ نحو ثلاث سنواتٍ، مُنعرجًا خطيرًا حدّ العبثيّة.
خُذ، مثلًا، إلياس الشّوّاشي، نجل القياديّ بحزب التّيّار الدّيمقراطيّ، غازي الّشوّاشي المعتقل في قضيّة "التآمر على أمن الدّولة"، فهو يواجه أحكامًا غيابيّة بالسّجن تجاوزت 80 عامًا، يليه زعيم حركة النّهضة الثّمانينيّ، راشد الغنّوشي، بإجمالي أحكام بالسّجن بنحو 76 عامًا.
لعلّ أكثر الملفّات المزعجة، اليوم في تونس، هي الرّمي بالمئات وراء القضبان، بعد محاكمات صوريّةٍ لا تتوفّر فيها الحُدود الدّنيا من العدل. ولا يختلف اثنان – من أصحاب العقل الرّصين، على الأقلّ – أنّ ماراثون الملاحقات القضائيّة اتّخذ، منذ نحو ثلاث سنواتٍ، مُنعرجًا خطيرًا حدّ العبثيّة
قضيّة "التآمر على أمن الدّولة" هي بدورها مدعاة للرّيبة. فقد بلغ إجماليّ الأحكام على "المُدانين"، وعددهم خمسة وثلاثون، 831 عامًا سًجنًا، أي بمعدّل 23 عامًا لكلّ واحد منهم. وحتّى نقف عند خطورة هذا الحكم، يكفي ان نُقارن هذا المُعدّل بالمحاكمة الكبرى للمافيا الصقلّيّة، Maxi-Processo، الّتي استغرقت 6 سنوات، ما بين 1986 و1992، وتراوحت فيها الاتّهامات بين القتل العمد وتكوين وفاق إجراميّ وغسل الأموال والاتّجار بالمخدّرات والابتزاز والتّهديد والفساد السّياسيّ والإداريّ، إذ انتهت بمجموع أحكام بلغ 2665 سنة سَجنًا بحقّ 338 مُدانًا، أي بمعدّل 7.88 سنة لكلّ واحد منهم، إلى جانب السّجن المؤبّد لـ19 آخرين.
نزيف الأحكام مستمرٌّ، حتّى بحقّ من استوفى فترة سَجنه، إذ بمجرّد إشرافه على مغادرة المعتقل حتّى تُحرّك ضدّه قضيّة أخرى. وقد ثبّتت محكمة الاستئناف بتونس، الثّلاثاء، الحكم الصادر بسجن الصّحفيّين، مراد الزّغيدي وبرهان بسيّس لمدّة ثلاث سنوات ونصف، في قضيّة تتعلّق بـ"تبييض الأموال" و"التّهرّب الضّريبيّ". وكان الزّغيدي وبسيّس قد سُجنا في قضيّة أخرى، على خلفيّة تصريحات صحفيّة، خُفّضت فيها الأحكام الصّادرة ضدّهما من سنة إلى ثمانية أشهر.
وطالبت هيئة الدّفاع الإفراج عنهما، بعد صدور الأحكام الجديدة، لغياب الأدلّة الّتي تُبرّر الملاحقة.
اقرأ/ي أيضًا: تونس.. ماذا بعد سياسة ما بعد السّياسة؟
ووثّقت نقابة الصّحفيّين التّونسيّين، في تقريرها السّنويّ الصّادر بداية الشّهر الجاري، ملاحقة 14 صحفيًّا خلال عام، بالاستناد إلى المرسوم 54 الخاصّ – رسميًّا – بمكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتّصالات إلى جانب المجلّة الجزائيّة ومجلّة الاتّصالات.
طبعًا، الحديث، هنا، يقتصر على الملاحقات التّي تطال سياسيّين وحقوقيّين وصحفيّين. لكن، ثمّة عدد كبير – نجهله للأسف – من المواطنين العاديّين الّذين يُواجهون أحكامًا مماثلة أو أشدّ حتّى، بسبب منشور على شبكات التّواصل الاجتماعيّ أو مشاركة بتظاهرة احتجاجيّة. لكنّ عائلاتهم – ولا لوم عليها، بالمناسبة - حريصة على عدم الخروج إلى الإعلام أو التّواصل مع المنّظمات الحقوقيّة، طمعًا في تخفيف تلك الأحكام.
وفي هذا السّياق، تزايدت وتيرة استهداف المنظّمات غير الحكوميّة، إذ صدرت قرارات بتجميد أنشطة الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان وجمعيّة محامون بلا حدود، بينما تُواجه فيه منظّمة "الخطّ"، الّتي تُشرف على موقع "إنكفاضة" خطر الحلّ.
وفي خضمّ كلّ هذه المظالم، يقف قطاع لا يُستهان به من التّونسيّين صارخًا، كنار جهنّم: "هل من مزيد؟" كلّ ذلك بالرّغم من حالة الانحدار المريعة الّتي تعيشها البلاد على الأصعدة كافّة، والتّي يكتوي بها أنصار سلطة الأمر الواقع ومعارضوه، على حدّ سواء. لكن، هي حالة الإنكار!
جاء شعار بديع لتظاهرة، من المرتقب أن تنتظم، السّبت، بالعاصمة التّونسية، جاء ليختصر المسافات: "الشّعب جيعان والحبس شبعان"، فالكلّ يجد نفسه في حالة سراح مؤقّت..، بينما يحتقن الشّارع أكثر فأكثر جرّاء غلاء المعيشة
من هنا، جاء شعار بديع لتظاهرة، من المرتقب أن تنتظم، السّبت، بالعاصمة التّونسية، جاء ليختصر المسافات: "الشّعب جيعان والحبس شبعان"، فالكلّ يجد نفسه في حالة سراح مؤقّت، بما في ذلك محسوبون على قوى سياسيّة تدعم سلطة الأمر الواقع، بينما يحتقن الشّارع أكثر فأكثر جرّاء غلاء المعيشة، ناهيك عن الكابوس الّذي تُشكّله حالة عدم اليقين العامّة.
وسجّل المنتدى التّونسيّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة ارتفاعًا في نسق الحراك الاحتجاجيّ، إذ شهد شهر أفريل/نيسان المنقضي 604 تحرّكًا، مقابل 462 في آذار مارس، أي بزيادة بنحو 30.74%. ويعزو المنتدى هذا المنحى التّصاعديّ إلى "تدهور المعيشة وتآكل المقدرة الشّرائيّة والمطالبة بالحقّ في التّشغيل وتسوية الوضعيّات المهنيّة وصرف المستحقّات وتحسين ظروف العمل".
وبالرّغم من الحاجة الماسّة – بل والحيويّة – إلى انفراجة، فإنّ سلطة الأمر الواقع تُمكن في حالة التّنصّل من مسؤوليّاتها وهي الممسكة بمفاتيح البلاد كافّة، من جهة، وتوغل في التّنكيل بمن تعتبرهم خصومها، من جهة أخرى.
والخوف كلّ الخوف ألّا يكون السّجن قد شبع بالفعل.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
فيديو محاولة اغتصاب مهاجرة في تونس.. هل نطوي صفحة الإفلات من العقاب؟
"لا يجب أن ننسى أن ظاهرة المهاجرين غير النظاميين ضحيتها الأولى هم المهاجرون أنفسهم، وأن احترام الكرامة البشرية لا يختلف حسب الجنس واللون والعرق.."
من استحضر العنصريّة فعليه أن يصرفها!
"لنا في ما يُعانيه عشرات الآلاف من التّونسيّين في دول أوروبيّة تشهد تناميًا مخيفًا للتّيّارات اليمينيّة المُتشدّدة أفضل مثال على ما يجب تفاديه من عنصرية ومواقف لا يُمكن إلّا أن تُقوّض أسس التّعايش وتزرع بذور الانقسام"
نائب "أحرجه" عفو الرئيس عنه.. مفارقات خطاب ما بعد العفو
"النائب في الأثناء بدا ساعيًا بعد خروجه لتأكيد موالاته للرئيس. يقول عن نفسه إنه ليس مذنبًا ولكنه يوجّه الشكر للرئيس. وهو يؤسس ذلك لأنه عفا عنه خارج إطار شرط الحكم البات."
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغت حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه