الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
5 أغسطس 2026
مقال رأي
يكاد يقتصر تواصل الرّئيس، قيس سعيّد، مع العالم الخارجيّ، منذ انقلابه على الدّستور، في جويلية/يوليو 2021، على محادثات هاتفيّة مع نظيريه الجزائريّ، عبد المجيد تبّون، والمصريّ، عبد الفتّاح السّيسي. لكن، من اللّافت أنّ تونس لم تُعيّن سفراء لها في كلتا العاصمتين، منذ نحو عام.
والقاهرة والجزائر لا تُمثّلان استثناءً من ناحية الفراغ، إذ لا تزال نحو 28 سفارة تونسيّة شاغرة، تُدار بقائم بالأعمال، من بينها الرّياض وبيروت وأبو ظبي والمنامة ومسقط ونواكشوط، في العالم العربيّ، إلى جانب سفارات أخرى حيويّة في الدّيبلوماسيّة التّونسيّة، مثل واشنطن وموسكو وروما. ويُضاف إلى ذلك شغور ما لا يقلّ عن 12 منصب قنصل عامّ وقنصل.
هذا الفراغ لا يمسّ من هيبة الدّولة فحسب، فأن يكون لك سفراء وقناصل، أمر ليس بالشّكليّ ولا بالبروتوكوليّ، إذ ينعكس مباشرة على مصالح الجالية التّونسيّة في الخارج وعلى صورة تونس لدى شركائها. فغياب التّمثيل الدّيبلوماسيّ يعني غياب الجدّيّة في التّعامل مع الدّول. كما يؤدّي إلى تغييب الصّوت، الضّروريّ للدّفاع عن مصالح البلاد في شتّى المجالات.
يكاد يقتصر تواصل الرّئيس، قيس سعيّد، مع العالم الخارجيّ، منذ جويلية 2021، على محادثات هاتفيّة مع نظيريه الجزائريّ، عبد المجيد تبّون، والمصريّ، عبد الفتّاح السّيسي. لكن، من اللّافت أنّ تونس لم تُعيّن سفراء لها في كلتا العاصمتين، منذ نحو عام
ومن المفارقات أنّ وزارة الخارجيّة نادرًا ما تتخلّف عن فتح باب الالتحاق بها، بمعدّل خمسين كاتبًا، كلّ عام، آخرها وليس أخيرها الإعلان الّذي نشرته الشّهر الجاري بهذا الصّدد، أي أنّ الموارد البشريّة متوفّرة، من حيث المبدأ.
هذا الضّعف المقلق في التّمثيل الدّيبلوماسيّ يتقاطع مع انكماش تونسيّ غير مسبوق، يتجلّى في عدد الزّيارات الخارجيّة المحتشم للرّئيس، قيس سعيّد، منذ وصوله إلى قصر قرطاج، عام 2019، وحتّى بعد تفرّده بالحكم، عام 2021. ففي نحو سبع سنوات، لم تتجاوز رحلاته الرّسميّة إلى الخارج العشرين، بل إنّه لم يغادر البلاد، العام الماضي، سوى في مناسبة يتيمة إلى الجزائر. وإلى جانب الزّيارات الرّسميّة، سجّل الرّجل حضوره في مراسم عزاء عدد من القادة، من بينهم السّلطان العُمانيّ قابوس بن سعيد والرّئيس الإيرانيّ إبراهيم رئيسي.
ولم يحضر سعيّد سوى القمّتين العربيّتين بالجزائر وجدّة عامي 2022 و2023، بينما غاب عن بقيّة الاجتماعات، بما فيها القمّة العربيّة الإسلاميّة الاستثنائيّة الّتي التأمت بالرّياض في نوفمبر/تشرين الثّاني 2023، عقب اندلاع حرب الإبادة الإسرائيليّة على غزّة.
اقرأ/ي أيضًا: تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
ومنذ وصوله إلى الحكم، عزف الرّئيس التّونسيّ عن القمم الإفريقيّة وأعمال الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، على أهمّية ما تُمثّله هذه المناسبات الدّوريّة من فرصة تقارب مع عدد كبير الزّعماء والقادة، من شتّى أنحاء العالم. وهو ما يُفسّر انسحاب البلاد من خارطة الأحداث الكبرى. حتّى اختيار تونس لاحتضان الجلسات الافتتاحيّة لمنتدى الحوار السيّاسيّ اللّيبيّ في نوفمبر/تشرين الثّاني 2020 جاء بدوافع لوجستيّة أساسًا، وهو ما أكّده نقل الاجتماعات التّقنيّة المباشرة إلى جنيف. كما استضافت جزيرة جربة القمّة الفرنكفونيّة في نوفمبر/تشرين الثّاني 2022 تنفيذًا لقرار قمّة يريفان الأرمنيّة عام 2018، والأمر نفسه بالنّسبة لمؤتمر طوكيو الدّوليّ للتّنمية في إفريقيا، تيكاد، الّذي انعقد بتونس في أوت/أغسطس 2022، تطبيقًا لتوصية قمّة يوكوهاما اليابانيّة، عام 2019.
الضّعف المقلق في التّمثيل الدّيبلوماسيّ يتقاطع مع انكماش تونسيّ غير مسبوق، يتجلّى في عدد الزّيارات الخارجيّة المحتشم للرّئيس، قيس سعيّد، منذ وصوله إلى قصر قرطاج، عام 2019، وحتّى بعد تفرّده بالحكم، عام 2021
ولم يكتف سعيّد بسياسة "الكرسيّ الفارغ" فحسب، بل كسر قواعد تقليديّة في الدّيبلوماسيّة التّونسيّة. ففي قمّة تيكاد، استقبلت تونس زعيم جبهة بوليساريو، إبراهيم غالي، وهو ما دفع بالجانب اليابانيّ، الشّريك الأصليّ في تنظيم القمّة، إلى تحميل الدّولة التّونسيّة مسؤوليّة توجيه الدّعوة لغالي. وأدّت هذه الحادثة إلى أزمة ديبلوماسيّة مع الرّباط، بعد أن كانت تونس تقف موقف الحياد – وأحيانًا الوسيط، خاصّة في ثمانينات القرن الماضي –. وكشفت وثائق "ويكيليكس"، عام 2010، أنّ الرّئيس التّونسيّ الرّاحل، زين العابدين بن عليّ، كان يرى أنّ الجزائر "تُعرقل جهود التّسوية" لهذا الملفّ، وقد أسرّ لنائب مساعد وزير الخارجيّة الأمريكيّ، ديفيد ولش، في لقاء جمعهما في 28 فيفري/شباط 2008 بتونس العاصمة، أنّه حاول عقد قمّة بين المغرب والجزائر إلّا أنّ الجزائر رفضت الاقتراح، مضيفًا أنّه يتحفّظ على فكرة "استقلال الصّحراء الغربيّة".
مثّل حضور إبراهيم غالي في قمّة تيكاد منعرجًا في تاريخ المنطقة المغاربيّة، حتّى بدا الأمر وقد جاء في سياق ثُنائيّ ضيّق بين سعيّد وتبّون. وهي قناعة ستترسّخ أكثر، بتوقيع البلدين على اتّفاقيّة أمنيّة عسكريّة، في أكتوبر/تشرين الأوّل 2025، دون الكشف عن بنودها. وبالرّغم من نشر وسائل إعلام عدّة تسريبات من نصّ الاتّفاق، من بينها صحيفة "لو فيغارو" الفرنسيّة الّتي ذكرت أنّه بات بإمكان "القوّات الجزائريّة التّحرك حتّى 50 كيلومترًا داخل الأراضي التّونسيّة والوصول إلى المؤسّسات الرّسميّة عند الحاجة"، إلّا إنّ كلتا العاصمتين اختارتا عدم الرّدّ.
لا تزال نحو 28 سفارة تونسيّة شاغرة، تُدار بقائم بالأعمال.. يُضاف إلى ذلك شغور ما لا يقلّ عن 12 منصب قنصل عامّ وقنصل.. ومنذ وصوله إلى الحكم، عزف سعيّد عن القمم الإفريقيّة وأعمال الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة
وانتهج سعيّد السّلوك ذاته فيما يتعلّق بمذكّرة التّفاهم الّتي وقّعها مع الاتّحاد الأوروبّيّ، في جويلية/يوليو 2023، إذ اتّهمته منظّمات عدّة، من بينها المنتدى التّونسيّ للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بتحويل البلاد إلى "شرطيّ للحدود الأوروبّيّة"، لكنّه لم يُعقّب، فيما بقيت بنود الاتّفاق سرّيّة. ولم يكن مفاجئًا حضور رئيسة الوزراء الإيطاليّة، جورجيا ميلوني، حفل التّوقيع، إلى جانب رئيسة المفوّضيّة الأوروبّيّة، أورسولا فون دير لاين، والمفوّض الأوروبّيّ للتّوسعة وسياسة الجوار، أوليفر فاريلي، ورئيس الوزراء الهولنديّ، مارك روته. فيملوني هي ثالث أهمّ مسؤول أجنبيّ، من حيث عدد الاتّصالات، بالنّسبة لسعيّد، بعد تبّون والسّيسي.
وفي باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ. فسعيّد اختار إدارة ظهره لكافّة سُبل الحوار وتجاوز الدّيناميّات التّقليديّة للحكم في البلاد. وهو ما يفعله، أيضًا، في سياسته الخارجيّة.
وفي كلتا الحالتين، الدّولة التّونسيّة هي الّتي تدفع الثّمن باهظًا.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"

جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة
معهد الرصد الجوي: ظهور خلايا رعدية مصحوبة بأمطار أحيانًا غزيرة بعد الظهر بالمناطق الغربية للشمال والوسط ثم تشمل بعض الجهات الشرقية أثناء الليل




