ultracheck
رأي

الخسارة الثقيلة للمنتخب.. أكثر من مجرّد هزيمة رياضية؟

15 يونيو 2026
الخسارة الثقيلة للمنتخب.. أكثر من مجرّد هزيمة رياضية؟
كلّ منتخبات العالم لا تنقصها الوطنية لكن الفارق الحقيقي بينها في حسن الاستعداد (Getty)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقي باحث من تونس

مقال رأي 
 

من المؤكد بداية أنّ خسارة أو انتصار منتخب ما في مباراة كرة قدم ليس بذاته معيارًا وحيدًا لقياس أداء المنتخب نفسه، فمنتخب يضمّ لاعبين ممتازين قد ينقاد لهزيمة والعكس صحيح. ولكن الخسارة بهزيمة ثقيلة في مباراة كأس عالم، وهو أكبر حدث كروي، لاحقة لهزيمة ثقيلة أخرى قبل أسبوع، هو معيار جوهري في كشف أداء المنتخب بما يتجاوز الحدث الظرفي، ومن ورائه منظومة كرة القدم في البلد، وربما منظومة إدارة البلد نفسه مع هامش التمايز الظاهري بين الجامعة والسلطة العامة، وهو تمايز دائمًا ما يتضاءل في ظلّ الأنظمة غير المتحفّزة لضمان استقلالية تامة للهيئات الأخرى بما فيها الجامعات الكروية. وهو الأمر الموضع نقاش اليوم في تونس.

هزيمة المنتخب التونسي بخماسية أمام السويد في كأس العالم بعد هزيمة قبل أيام بخماسية أمام بلجيكا في آخر المباريات التحضيرية، ليس فقط نتيجة لسوء اختيار المدرّب أو اللاعبين، أو نتيجة "طبيعية" للتفاوت بين أداء منتخبنا وبقية المنتخبات، ولكن أيضًا نتيجة لما هو أعمق. بعد الهزيمة، ربّما أكثر مقطع فيديو اعترضني على "فيسبوك" هو تصريح لأحد المعلقين الصحفيين المعروف بموالاته للسلطة السياسية، وهو يقول، بكل فخر، في جانفي/يناير المنقضي، حرفيًا "أرادوا أن يورّطوا تونس وكرتها في مدرّب أجنبي فاشل، لكن رئيس الجمهورية كان في الموعد وتدخّل شخصيًا لإجهاض هذه العملية التي لا يشتمّ منها سوى رائحة الفساد وتضرب في العمق مبدأ التعويل على الذات. وأنباء مؤكّدة عن مغادرة المدعو كارلوس كيروش للأراضي التونسية". إثر ذلك، أعلنت جامعة كرة القدم تعيين المدرب صبري اللموشي مدربًا للمنتخب الوطني للمونديال. والنتيجة معلومة الآن.

كيف يُصنع منتخب جيّد لكرة القدم اليوم؟ المؤكد أنه ليس بالشعارات الرنّانة حول الوطنية بل بالاستثمار الرياضي بما يشمل البنية التحتية ونظام تكوين قادر على إنتاج اللاعبين وصقلهم في بيئة احترافية مستقرة

حينما يأتي التأكيد عن "تدخل شخصي" من رئيس الدولة فيما أريد إظهاره التصدي لمؤامرة جديدة على المنتخب وفي إطار "الخيار السيادي"، فالمسألة الأولية المطروحة هنا تتعلق بتحمل مسؤولية التدخل. وهو تدخل جاء كما قيل في إطار مبدأ التعويل على الذات، وهو أحد عناوين الدعاية في مواجهة الأزمة الاقتصادية مع تسجيل مفارقة بين ادعاء التعويل على الموارد الذاتية من جهة واللجوء المطرد للاقتراض سواء الداخلي أو الخارجي، إلا إن كان المقصود بسياسة التعويل على الذات هو عدم اللجوء لصندوق النقد الدولي دون المقترضين الآخرين. وحديث المفارقة متكرّر في مواضع عدّة في تونس. فالسلطة السياسية مثلًا تؤكد على استقلال القضاء والحال أن نفس السلطة تعيّن القضاة وتدير مساراتهم المهنية مع تواصل تغييب المجلس الأعلى للقضاء، بما يعدم أحد الضمانات الجوهرية لاستقلالية القضاة وحيادهم.

اقرأ/ي أيضًا: هزيمة قاسية لتونس أمام السويد.. كيف علّق اللموشي واللاعبون؟

في موضوعنا، أكد الرئيس عند استقباله طاقم المنتخب قبيل سفره للمونديال أنه "قد تلمع السبورة اللامعة بنتيجة لكنّ الأهمَّ هو ما سيُكتَب منها بأحرف من ذهب على سبورة التاريخ". وسبورة المباراة الأولى ضد السويد كشفت عن نتيجة مهينة، وهي للتذكير أثقل هزيمة في تاريخ مشاركات المنتخب في كأس العالم. مرة أخرى. حينما جاءنا التأكيد عن "تدخل شخصي"، لا يُعلم مستواه ولا طبيعته، ولكن عنوانه الواضح هو تعيين مدرب تونسي، يحق لنا الوقوف للتساؤل المشروع بعيدًا عن الاتهام بالمبالغة أو تحميل ما لا يُحتمل. فالمسألة لا تتعلق بطبيعة الحال بمسؤولية مباشرة باعتبار أن نتيجة مباراة كرة قدم بالضرورة تخضع لعوامل فنية متعددة ومركبة، ولكن نحن نتساءل عن مسؤولية مرتبطة بفرض المناخ الذي دفع مكتب الجامعة لاتخاذ قراره أو تحديدا بمدى حرية الجامعة في الاختيار.

وهذا المكتب من المهم التذكير أنه جاء، قبل عام ونصف، بعد مكتب تسيير وقتي إثر حلّ المكتب الجامعي السابق إثر إيقاف رئيسه وديع الجريء. ومكتب التسيير من المهم التذكير أيضًا أنه تمّ تعيينه من الاتحاد الدولي لكرة القدم بالاشتراك من الاتحاد الإفريقي لإخراج الجامعة التونسية من أزمتها عام 2024. أزمة، بغض النظر عن تفاصيلها، فرضت، بالمعجم السياسي للسلطة، "تدخلًا أجنبيًا" لفضّها.

يبدو أنه لا مانع من أن تكون إجابة سؤال "هل يمكن اعتبار هزيمة المنتخب مرآة لوضع البلد؟" ولو جزئيًا، هي الإيجاب، لأن إدارة كرة القدم ليست معزولة عن المناخ العام لإدارة البلاد اليوم من حيث الخيارات العامة ومستوى الإدارة نفسها

هذا المناخ الذي عرفته إدارة كرة القدم في السنوات الأخيرة هو الذي أدى لتنامي دور السلطة التنفيذية وتحديدًا وزارة الشباب والرياضة التي أكدت مصادر صحفية أنها لعبت دورًا أساسيًا في تثبيت خيار الاستعانة بمدرب وطني ورفض المدرب الأجنبي في بداية العام الحالي. ووزير الرياضة الحالي الصادق المورالي كان قد انتشر له فيديو شهير وهو يخاطب أستاذ تربية بدنية يدعوه لاتباع "التفكير الجديد" لرئيس الجمهورية مقترحًا عليه تكوين شركة أهلية بدل أكاديمية وذلك مع ثلاثة أو أربعة من زملائه لاستغلال ملعب لكرة القدم. ويبدو أن الوزير قد غفل أن قانون الشركات الأهلية وقتها يشترط خمسين شخصًا لتأسيس شركة من هذا النوع.

كيف يُصنع منتخب جيّد لكرة القدم اليوم؟ المؤكد أنه ليس بالشعارات الرنّانة حول الوطنية بل بالاستثمار الرياضي بما يشمل البنية التحتية ونظام تكوين قادر على إنتاج اللاعبين وصقلهم في بيئة احترافية مستقرة. فكلّ منتخبات العالم لا تنقصها الوطنية لكن الفارق الحقيقي بينها في حسن الاستعداد. ومن هذا المنظور، إن سؤالنا هل يمكن اعتبار هزيمة المنتخب مرآة لوضع البلد؟ يبدو لا مانع أن تكون الإجابة ولو جزئيًا هي الإيجاب لأن إدارة كرة القدم ليست معزولة عن المناخ العام لإدارة البلاد اليوم من حيث الخيارات العامة ومستوى الإدارة نفسها. وهو التقدير المعاين في تفاعلات عديد التونسيين بعد الهزيمة الثقيلة ضد السويد. يوجد عطب ما يتجاوز أسوار الجامعة والمنتخب لأن المشهد يتجاوز مجرد أداء جامعة أو فشل سياسة رياضية. يوجد خلل عميق يجتاح كل المجالات اليوم.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

الاستبداد تونس الشاذلي بن إبراهيم Getty NurPhoto

ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد

"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "


الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ


قيس سعيّد يشارك كضيف شرف في القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدّرة للغاز بالجزائر.jpg

تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول

"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟


الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

لماذا الفعل الثقافي مستهدف بالتهميش والإقصاء وقت الأزمة؟ لماذا يغير التونسي ترتيب الثقافة وقت الأزمة ويجعلها بل ويجعلها خارج أولوياته؟ لماذا لا تعتبر الثقافة في تونس معيشًا ضروريًا وقت الأزمة وخارجها؟

عائلات المفقودين
مجتمع

"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس

قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..

الممرضين تونس
مجتمع

هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب

أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..


لماذا تعترض جامعة التعليم الثانوي على المنصة الرقمية لتنزيل الأعداد الرقمنة غيتي.jpg
مجتمع

التحول الرقمي.. دعوة إلى مجانية الخدمات الإدارية الأساسية للمؤسسات

رحبت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بما جاء في..

قائمة المدارس الخاصة في تونس
مجتمع

انتقادات لتركيبة الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية.. ما التفاصيل؟

تم تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية وهم..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

محمد عبو: غازي الشواشي يواجه وضعًا صحيًا صعبًا داخل السجن


2
مجتمع

أسعار الزقوقو تحت ضغط تراجع الإنتاج.. وتحذيرات من المنتجات المهربة


3
اقتصاد

تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر


4
مجتمع

وفاة طفل جرفته السيول في المكارم بسيدي بوزيد


5
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%