ultracheck
رأي

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

28 يناير 2026
التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة
تلميذ اليوم في تونس، يرفّه عن نفسه ويمارس التنشيط الثقافي داخل مؤسسته من خلال "الكراكاج" و"الدخلة" (صورة أرشيفية/ فيسبوك)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي

 

من المعضلات الكبرى في مجال التربية والتعليم في تونس في هذه السنوات الأخيرة هي تكريس فكرة أفضلية المعارف والعلوم داخل المدرسة على باقي الأنشطة الاجتماعية والمدنية مثل الرياضة والثقافة وكل تلك التظاهرات المنبثقة عنها والتي لا اختلاف على دورها اللامرئي في نحت شخصية التلميذ وإحداث التوازنات المطلوبة في بنيته النفسية جرّاء كثرة الدروس وأساليب التقييم وأيضًا الحدّ من مظاهر العنف الذي بات مستشريًا داخل المدرسة ومحيطها. 

والملاحظ أن هذا التفضيل لا يأتي من خارج المدرسة بل من أبناء المدرسة، من الفاعلين التربويين أنفسهم، الذين ترسخت لديهم قناعة بأن المدرسة هي خزان للمعارف والعلوم فقط، منها ينهل المتعلم ويذهب في حال سبيله إلى الجامعة أو إلى الحياة الواسعة وعلبة أدواته خاوية من القيم ومن الفنون والرياضة، وإن أراد التزوّد بكل ذلك فإن هناك مراكز وفضاءات خاصة تمكّن اليافع أو الشاب من تنمية مهاراته ومواهبه.. ورغم ترسانة القوانين التربوية المتعلقة بالنشاط الثقافي المدرسي والمناشير المنظمة لجودة الحياة المدرسية ورغم الأموال المرصودة لذلك في ميزانيات المندوبيات الجهوية للتربية وأيضًا بميزانيات المؤسسات التربوية، فإنّ المدرسة اليوم خاوية من الأنشطة الثقافية والرياضية الجاذبة والتي تتماشى وتطلعات أجيال زد وألفا من أبناء الإنترنات.

تبدو كل الأنشطة متشابهة داخل الفضاء المدرسي، غير مغرية وبلا رؤية واضحة.. فما كان من التلميذ التونسي اليوم بالإعداديات والمعاهد الثانوية إلا أن هجر النوادى والأنشطة والتظاهرات وعوّل على نفسه في خلق أنشطة فرجوية ذات بعد مشهدي

حيث تبدو كل الأنشطة متشابهة وكل التظاهرات متشابهة وبلا رؤية وبلا مشاريع واضحة وغير مغرية.. فما كان من التلميذ التونسي اليوم بالإعداديات والمعاهد الثانوية إلا أن هجر النوادى والأنشطة والتظاهرات وعوّل على نفسه في خلق أنشطة فرجوية ذات بعد مشهدي تمتزج فيها الرياضة بفنون المسرح والسياسة والفنون الجمالية وأغاني الشوارع والغرافيتي.. كل ذلك في "عرض واحد". وقد استلهم التلميذ ذلك من سطوة كرة القدم على كل جوانب الترفيه في المجتمع التونسي، فالأجيال الجديدة منجذبة عاطفيًا لمناخات كرة القدم وتبهرها الفرجة. 

اقرأ/ي أيضًا: "الكراكاج".. هامش جديد افتكه التلميذ التونسي داخل المعاهد

تلميذ اليوم في تونس، يرفّه عن نفسه ويمارس التنشيط الثقافي داخل مؤسسته من خلال "الكراكاج" و"الدخلة" وهي أيام احتفائية ترافق امتحانات التربية البدنية النهائية الخاصة بتلاميذ البكالوريا وما يحف بها من تحضير مسبق لأيام طويلة تقوم به لجان تلمذية مهمتها جمع أموال وكراء معدات وشراء سترات خاصة، ومن ثمة وضع سيناريو خاص بالحدث فيما يشبه الإخراج السينمائي.. ومع مرور السنوات، سرت هذه العادة في جميع معاهد تونس كما أصبح هناك تنافس بين المعاهد حول أجمل دخلة وأحسن شعار رفع.. وفي السنوات الأخيرة تنقلت هذه المظاهر الاحتفالية إلى المدارس الإعدادية فأصبح تلاميذ السنوات التاسعة أساسي يقومون بما يشبه "الدخلة" مع نهاية السنة وذلك احتفاءً بالنجاح والمغادرة نحو المعهد، وقد يُقرأ ذلك على أنها علامة نضج عند المراهقين.

 

طالب بعض التلاميذ بتقنين تظاهراتهم وأن يفسح لها المجال تحت إشراف مؤسساتهم ومربيهم شريطة عدم السطو عليها أو المساس من جوهرها أو التدخل في محتواها (صورة أرشيفية)

 

هذا التقليد فرضه التلميذ التونسي على المدرسة متحديًا كل القوانين والتراتيب المدرسية بقوة الحشود وبإرادة قوية لها القدرة على التأثير وإقناع إدارات المعاهد بعد التفاوض على الأيام المحددة للاحتفاليات وفي الغالب كانوا ينجحون في ذلك.

لكن ثمة غالبية من الفاعلين التربويين داخل المؤسسات التربوية ومن أصحاب القرار بوزارة التربية من يرى في هذه المظاهر انزياحًا لا يليق بالمدرسة التونسية وتاريخها العريق وأن ما يقوم به التلاميذ هو نوع من العنف المستجلب من ثقافة الشارع وتشبه بما يأتيه جماهير كرة القدم في تونس والعالم وهو أيضًا معطّل للدروس ومخرّب للبنية التحتية للمؤسسة التربوية.

اقرأ/ي أيضًا: بالصور.. تعرّف على فوتوبيا التلاميذ في تونس

وقد ذهبت هذه الغالبية ومن دون تأمل وتدقيق علمي على إثر دراسات يقوم به أهل العلوم الإنسانية لما يحدث في الحياة المدرسية التونسية من تغيرات قدمت من المجتمع نفسه، كما لم تنجز وزارة التربية وإداراتها العامة للتنشيط الثقافي، تقييمًا حقيقيًا يرصد مؤشرات العزوف عن الأنشطة الثقافية والرياضية من قبل التلميذ في شكلها الحالي.. إلى الدفع إلى استصدار قرارات تمنع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون وقد يحال بموجبها التلاميذ الذين ينخرطون فيها على مجالس التربية وفي ذلك تهديد ضمني بالطرد التعسفي.. وقد بادرت هذه الأيام بعض المندوبيات الجهوية للتربية على غرار مندوبيتي توزر وصفاقس إلى إصدار مذكرات عمل إلى مديري المعاهد الثانوية الراجعة إليهم بالنظر تفيدهم من خلالها أن يمنعوا هذه الاحتفاليات التلمذية وأن يكونوا صارمين في تطبيق القانون التربوي تجاه المخالفين من التلاميذ واعتبار ما يقومون به هم قبيل المخالفات التربوية.

إنّ مذكرات العمل تلك التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد.. لكنّ صوت التلميذ كان الأقوى في هذا النقاش من خلال الردود والحكمة التي تحلّى بها وهو يدافع عن وجهة نظره وطريقته في الاحتفال وشكل الاحتفال واعتبر ذلك نموذجًا جديدًا للأنشطة الثقافية والرياضية كما يريدها هو، حتى إنّ بعض التلاميذ طالبوا بتقنين تظاهراتهم وأن يفسح لها المجال تحت إشراف مؤسساتهم ومربيهم شريطة عدم السطو عليها أو المساس من جوهرها أو التدخل في محتواها.

وزارة التربية في تونس ولكي تُنقذ ما تبقى فيما يتعلق بالأنشطة الثقافية والرياضية فإنها مطالبة بالاستماع للتلميذ بواسطة خبراء العلوم التربوية والإنسانية وأن تضع إستراتيجيات تتعلق بالأنشطة الثقافية والرياضية مع ضرورة انتداب مؤطرين ثقافيين ورياضيين مختصين

وفي الوقت نفسه، تنكب الجامعة التونسية وخاصة فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية وبالأساس اختصاصات فلسفة التربية وعلم اجتماع التربية وعلم اجتماع ثقافة الشارع وعلم النفس التربوي.. فالباحثون في تلك الاختصاصات يرون في هذا الفعل التلمذي علامة دالة على رفض التصورات الكلاسيكية للأنشطة الثقافية والرياضية المدرسية بشكلها الحالي.. 

وبالتالي فإنّ وزارة التربية في تونس ولكي تُنقذ ما تبقى فيما يتعلق بالأنشطة الثقافية والرياضية فإنها مطالبة بتعديل بوصلتها نحو التلميذ "باعتباره محور العملية التربوية" كما ينص على ذلك القانون التوجيهي التربوي لسنة 2002 الذي يعد دستور التربية الحالي في تونس، بأن تستمع إليه بواسطة الخبراء في العلوم التربوية والإنسانية وأن تضع إستراتيجيات عمل فيما يتعلق بالأنشطة الثقافية والرياضية مع وزارة الشؤون الثقافية ووزارة الرياضة ووزارة السياحة وضرورة انتداب مؤطرين ثقافيين ورياضيين مختصين من خريجي الجامعة التونسية في اختصاص التدريب والتنشيط، وأن تتعاقد مع رجال ثقافة في مجالات المسرح والسينما والكتابة والموسيقى وتكنولوجيات الاتصال.. وأن تكف عن تعويلها على تطوّع المدرسين أو القيّمين بالنسبة للتنشيط الثقافي وأن ترفّع في الميزانيات المخصصة للثقافة والرياضة وأن تعدّل جداول الأوقات وتفسح فيها المجال للمواد والأنشطة الثقافية والرياضية.

كل هذه التصورات البديلة والتي تقطع مع الطرق الكلاسيكية التي بدا عليها التقادم، ستدفع حتمًا نحو تغييرات في الحياة المدرسية برمتها وسيتغير نظرة التلميذ نحو نفسه ونحو مؤسسته وستجعل منه إنسانًا متوازنًا فاعلًا في مجتمعه بعد مغادرته المدرسة فقط إن وجد له آذانًا صاغية ووجد الدفع المعنوي لا المنع و الزجر.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

تثبيت أحكام قضية التآمر.. أحزاب محاكمة سياسية للمعارضة الرافضة للانفراد بالحكم

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟

قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي

طقس تونس pexels
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق

معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس قرطاج Getty
منوعات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات


تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
منوعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية

تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة
منوعات

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة

معهد الرصد الجوي: ظهور خلايا رعدية مصحوبة بأمطار أحيانًا غزيرة بعد الظهر بالمناطق الغربية للشمال والوسط ثم تشمل بعض الجهات الشرقية أثناء الليل

الأكثر قراءة

1
سیاسة

تزايد الوفيات داخل السجون.. جمعية القضاة تدعو إلى فتح أبحاث قضائية فورية


2
منوعات

البطولة التونسية.. انتصاران للترجي وشبيبة العمران وتعادل وحيد


3
مجتمع

مدينة عمر المختار بسيدي حسين.. عائلات مهددة ومطالب بتدخل عاجل


4
مجتمع

"الصوناد" تعلن تواصل اضطراب التزويد بالماء.. 3 ولايات معنية


5
منوعات

أوت 2026 يحتل المرتبة الأولى بين أشهر أوت الأكثر حرارة في تونس منذ سنة 1950