الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
12 يناير 2026
مقال رأي
لم يُعرف عن الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، شغف كبير بالرّياضة، لكنّه أدرك باكرًا أهمّيتها البالغة كوسيلة للتّعبئة الجماهيريّة. ففي أحياء العاصمة الشّعبيّة، حيث بدأ خطواته الأولى في المحاماة، خبِر سريعًا التحام الحركة الوطنيّة بأندية كرة القدم، وهو ما يُفسّر انضمامه للنّادي الأفريقي، انطلاقًا من سنة 1927، ثمّ تقلّده منصب نائب رئيس غريمه التّاريخيّ، التّرجيّ الرّياضيّ التّونسيّ، سنة 1931.
وبقدر إدارك بورقيبة لقدرة الرّياضة على التّعبئة الجماهيريّة، بقدر وعيه بأنّها سلاح ذو حدّين، من شأنه تهديد الأمن العامّ، فتدخّل شخصيًّا، في صيف 1971، لإنهاء ما اصطلح على تسميته بـ"أزمة التّرجّي"، بإلغاء قرار تجميد النّادي، وقد اتّخذ قراره خلال تلقّيه العلاج خارج تونس، في أعقاب مشادّات بين جماهير نادي باب سويقة وقوّات الأمن.
كما فهِم بورقيبة قدرة الرّياضة على تخفيف حدّة الاحتقان في المجتمع. وأبرز سامي التّليليّ، في فيلمه الوثائقيّ "على البار"، كيف وظّف نظام بورقيبة ملحمة منتخب 1978 بالأرجنتين، لتجاوز صِدامه، بداية تلك السّنة، مع الاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل.
السّلطة الحاكمة تُدير ظهرها للرّياضة، مثلما تُدير ظهرها لقطاعات أخرى. لا رؤية لها ولا استراتيجيّة. والمشكل، هنا وهناك، يتعلّق أساسًا بالحوكمة.. في هذه الأثناء، ولتبرير هذه الإخفاقات، لا خطاب يعلو فوق خطاب المؤامرة والتّخوين. وتلك هي الرّياضة المُفضّلة، في الدّوائر الرّسميّة
ووجد بورقيبة في ملاعب الكرة مظاهر "الشّرعيّة الجماهيريّة" الّتي يتمنّاها أيّ زعيم نرجسيّ مثله، في مشهديّتها، على الأقلّ، فباتت مباراة نهائي كأس تونس، الّتي تحمل اسمه، تنطلق بطقس دخوله إلى الملعب الأولمبيّ بالمنزه في سيّارة مكشوفة ليُحيّي الآلاف من المشجّعين الهاتفين باسمه، قبل أن يترجّل ويُصافح اللّاعبين.
وكان ترديد جماهير الكرة لأغنية "آه يا زين! آه يا زين العابدين!" تُغذّي نرجسيّة خلفه، زين العابدين بن عليّ. لكنّ علاقة الجنرال الّذي انقلب على "والده" بالرّياضة كانت أكثر تقدّمًا من حيث السّيطرة، وهو صاحب العقل الأمنيّ بامتياز. فقد كان يعلم جيّدًا، حسب تعبير الصّحفيّ الفرنسيّ، كريستوف عيّاد، أنّ "الكرة أمر جادّ للغاية حتّى يُترك للرّياضيّين وحدهم". فإلى جانب الزّجّ بأصهاره وأقرب رجل الأعمال إليه لتقلّد مناصب قياديّة في كبرى الأنديّة التّونسيّة، انطلق بن عليّ في وضع لبنة نظام عموديّ شديد التّعقيد، يقوم على علاقة زبونيّة من خلال الأندية الرّياضيّة، مهما كان حجمها أو نشاطها أو قاعدتها الجماهيريّة، يُوفّر لها كلّ ظروف العمل، بما في ذلك التّمويلات الضّروريّة - وبعضها كان يُنتزع بالابتزاز، خاصّة من رجال الأعمال المحلّيّين -، مُقابل احتوائها للجماهير. وتعزّزت هذه المعادلة بتحوّل معظم الأندية إلى مقفز للمناصب السّياسيّة، انطلاقًا من الشُّعب الدّستوريّة، وصولًا إلى مجلس النّوّاب.
وانطلاقًا من شعار "فرحة تونس"، لم يدّخر نظام بن عليّ ملّيمًا واحدًا لما كان يعتبره "مخدّر المجتمع"، فشهدت البنية التّحتيّة ثورة حقيقيّة، لعلّ من أهمّها تشييد المدينة الرّياضيّة برادس، عشيّة احتضان البلاد ألعاب البحر الأبيض المتوسّط، عام 2001، الّتي عزّزها بقاعة ضخمة، افتتحت بها بطولة العالم لكرة اليد، بعد أربع سنوات.
وكانت أجهزة الدّولة كافّة تُجيّش لإنجاح المواعيد الرّياضيّة الكُبرى، فيُسرَّح الموظَّفون والتّلاميذ والطّلبة باكرًا، مثلما حصل في كأس أفريقيا للأمم، عام 1996، ويُعادُ بثّ المباريات الهامّة، ويُستقبّل اللّاعبون استقبال الأبطال، حتّى حين تكون المسابقة رمزيّة، مثلما حصل مع منتخب كرة اليد، عام 2006، بعد حصوله على المرتبة الثّانية في كأس العالم، وهي بطولة رمزيّة غير مُصنّفة ضمن المسابقات الرّسمية للاتّحاد الدّوليّ للّعبة.
ومع رحيل بن عليّ، تفكّكت شبكة الزّبونيّة وانتفت المصلحة من الإشراف على الرّياضة، باستثناء بعض الأمثلة النّادرة، كدخول رجل الأعمال المُثير للجدل، سليم الرّياحي، معترك السّياسة، من بوّابة النّادي الأفريقيّ. وسُرعان ما تحوّلت حماسة انتخابات الأنديّة الرّياضيّة إلى المكابدة من أجل الحيلولة دون اضمحلالها، مع تراجع خطير في الاعتمادات الماليّة الموجّهة للرّياضة.
لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها، في ظلّ غياب أيّ سياسة عامّة تُعنى بهذا القطاع الحيويّ. فحتّى المشاريع الّتي بشّرت بها سُلطة الأمر الواقع، وفي مُقدّمتها الملعب الأولمبيّ بالمنزه، لا تزال أكوامًا من الخراب
وأصيبت البنية التّحتيّة بالتّرهّل، بالتّزامن مع تغلغل الفساد بشكل فاضح، خاصّة عبر عدد من النّوّاب كانوا يجمعون، مع صفتهم السّياسيّة، صفة قياديّ بأحد الأندية الرّياضيّة.
وكانت الصّدمة، في الرّابع والعشرين من جويلية/يوليو 2021، حين فاز أيّوب الحفناويّ بسباق 400 متر سباحة حرّة ليُتوّج بالميداليّة الذّهبيّة في أولمبياد طوكيو. فقد انطلق السّبّاح الشّابّ في مغامرته دون أن تٌقدّر وزارة الشّباب والرّياضة إمكانيّة اعتلائه منصّة التّتويج، فعُزف النّشيد الوطنيّ التّونسيّ دون أن يكون لأيّوب زيّ خاصّ بتلك المراسم.
وبعد أربع وعشرين ساعة، انقلب الرّئيس، قيس سعيّد، على الدّستور، ليكتب سطرًا جديدًا من سطور انهيار الرّياضة في تونس. ولعلّ تصريحات اللّاعب الدّوليّ، حنّبعل المجبريّ، قُبيل كأس أفريقيا للأمم وبعدها، تُلخّص الكثير. فقُبيل التّوجّه إلى المغرب، نبّه المحترف بنادي "بيرنلي" الانجليزيّ إلى أنّ ظروف المنتخب غير مقبولة، موضحًا أنّ "حالة الملاعب الّتي تتدرّب بها المجموعة سيّئة للغاية" ومُشدّدًا على أنّ "الأجواء صعبة للغاية". وفي أعقاب الانسحاب من البطولة، عاد المجبريّ بحدّة أكبر، ليقول: "لقد تأخّرنا كثيرًا (...) على كلّ التّونسيّين أن يتوقّفوا لحظة (...) هذا محزن للغاية. لقد تأخّرنا في كلّ شيء".
ولأنّ المصائب لا تأتي فُرادى، فقد كشف البطل الأولمبيّ والعالميّ في رياضة التايكواندو، خليل الجندوبيّ، أنّه يُكابد من أجل المواصلة في مستواه الحالي، وذكر أنّه لم يحصل على مستحقّاته الماليّة لأكثر من ستّة أشهر، وهي الّتي لا تتجاوز 900 دينار شهريًّا.
وزاد المشهدَ قتامة تأكّد تدخّل مؤسّسات الدّولة في الرّياضة بشكل فجّ وغير محسوب، إذ ذكر مُشاركون في اجتماع دعت له وزارة الشّباب والرّياضة أنّ هناك قرارًا سياسيًّا بتعيين مدرّب تونسيّ على رأس منتخب كرة القدم، فيما بدا استمرارًا للخطاب الرّسميّ "السّيادويّ".
ولا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها، في ظلّ غياب أيّ سياسة عامّة تُعنى بهذا القطاع الحيويّ. فحتّى المشاريع الّتي بشّرت بها سُلطة الأمر الواقع، وفي مُقدّمتها الملعب الأولمبيّ بالمنزه، لا تزال أكوامًا من الخراب، بينما تُواصل المنشئات المتوفّرة انهيارها السّريع نحو حالة عدم الصّلوحيّة، كالقاعات الرّياضيّة الّتي شُيّد معظمها نهاية الـ1980 وبداية الـ1990.
زاد المشهدَ قتامة تأكّد تدخّل مؤسّسات الدّولة في الرّياضة بشكل فجّ وغير محسوب، إذ ذكر مُشاركون في اجتماع دعت له وزارة الشّباب والرّياضة أنّ هناك قرارًا سياسيًّا بتعيين مدرّب تونسيّ على رأس منتخب كرة القدم، فيما بدا استمرارًا للخطاب الرّسميّ "السّيادويّ"
كما لم تُقدّم الوزارة أيّ بدائل معقولة ودائمة لمعضلة تمويل الأندية، الّتي لا تزال الأغلبيّة السّاحقة منها تعتمد بالأساس على المنح العموميّة، وهي منح لم تعد تفي بأغراض التّكوين والتّأطير، ناهيك عن المصاريف اليوميّة الضّروريّة.
وتشكو معظم الاتّحادات الرّياضيّة الزّمن المدرسيّ الّذي بات يحول دون انخراط أوسع من الأطفال والشّبّان في النّشاط الرّياضيّ، رغم اقتراح خُبراء لعدد من الأفكار القابلة للتّنفيذ، مثل تخصيص فصول تتلاءم رزنامتها الدّراسيّة مع التزاماتها الرّياضيّة.
وقد شاهدنا كيف أنّ مشاركة خليل الجندوبيّ في بطولة العالم للتايكواندو بالصّين، في أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، والّتي فاز بذهبيّتها في وزن أقلّ من 63 كغ، حرمته من اجتياز امتحاناته في المعهد العالي للرّياضة، لتأخّر وزارة الشّباب والرّياضة في إرسال تبرير غيابه، حسب قوله.
وترمي الوزارة بمعظم الأعباء اللّوجستيّة في ملعب وزارة الدّاخليّة. فمنح التّصاريح السّنويّة الضّروريّة للمنشئات الرّياضية لاحتضان المسابقات الرّياضيّة أصبح مقتصرًا على مدى القُدرة على تأمينها، حتّى وإن كان عُشبها، في حالة ملاعب كرة القدم، أو أرضيّتها، في حالة القاعات الرّياضيّة، سيّئين بشكل يُمثّل خطرًا على سلامة اللّاعبين.
إنّ السّلطة الحاكمة تُدير ظهرها للرّياضة، مثلما تُدير ظهرها لقطاعات أخرى. لا رؤية لها ولا استراتيجيّة. والمشكل، هنا وهناك، يتعلّق أساسًا بالحوكمة. فكلّ ما سبق، من السّهل تطبيقه على أيّ منحى من مناحي الحياة العامّة.
في هذه الأثناء، ولتبرير هذه الإخفاقات، لا خطاب يعلو فوق خطاب المؤامرة والتّخوين. وتلك هي الرّياضة المُفضّلة، في الدّوائر الرّسميّة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

أين استقلال القضاء في تونس؟
لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟
"منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة.."

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة
مذكرات العمل التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية، والتي أقرّت منع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون.. قد خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد

مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟
كان الصراع داخل اتحاد الشغل منذ ماي 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة

طقس تونس.. أمطار متفرقة ورعدية في بعض المناطق
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس، يوم الاثنين 9 فيفري 2026 يكون أحيانًا كثيف السحب بالشمال، مع نزول أمطار متفرقة وتكون مؤقتًا رعدية ومحليًا غزيرة خلال الفترة الصباحية بالمناطق الساحلية الشمالية، في حين تشهد بقية الجهات سحبًا عابرة

تأجيل محاكمة راشد الغنوشي "على خلفية تبرّعه بقيمة جائزة غاندي الدولية"
مصدر قضائي: الدائرة الجناحيّة بمحكمة الاستئناف بتونس تؤجل النظر في القضية المرفوعة ضد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي "على خلفية تبرّعه بقيمة جائزة غاندي الدولية" إلى جلسة 27 فيفري 2026

ارتفاع في حالات داء الكلب الحيواني وتسجيل إصابات مبكّرة في صفوف المجترات
أكّد رئيس دائرة الإنتاج الحيواني بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقصرين، لطفي الصياحي، أنّ البلاغ التحذيري الصادر أواخر شهر جانفي الفارط بخصوص داء الكلب جاء نتيجة الارتفاع اللافت في عدد حالات الإصابة بداء الكلب الحيواني بالجهة، لاسيما في صفوف المجترات، وهو ما يُعدّ مؤشرًا مقلقًا مقارنة بالسنوات السابقة

تهديد الديمقراطية في تونس.. ضعف المؤسسات وتراجع الضمانات
نظّمت جبهة الخلاص الوطني يوم السبت 7 فيفري 2026 ندوة فكرية حوارية بعنوان "تونس والديمقراطية بين الانتقال والانتكاس.. رؤى متقاطعة"، وذلك في وقت قالت إن "تونس تشهد فيه تراجعًا في الضمانات الديمقراطية وارتفاعًا للشعبوية"
