الأزمة تونسيّة تونسيّة
25 سبتمبر 2025
مقال رأي
لدى قطاع من أنصار الرّئيس، قيس سعيّد -كما في فريق من المعارضة- انزلاق نحو التّحليل بالتّمنّي، لعلّ أهمّ مظاهره القول بوجود أزمة بين تونس والولايات المتّحدة. بالنّسبة للطّرف الأوّل، ثمّة محاولة لاختلاق صورة الّرئيس القويّ المتشبّث بسيادة بلاده أمام إدارة أميركيّة تكاد تكون هي الأكثر تعجرفًا في تاريخ البيت الأبيض، انطلاقًا من موقف سعيّد الرّافض لحلّ الدّولتين في فلسطين. أمّا الطّرف الثّاني، فيُمنّي النّفس بتثبيت رواية عزلة سعيّد في محيطه الإقليميّ والدّوليّ، وهي فكرة تُسوّق لنصف الحقيقة، فالعزلة قائمة بالفعل لكنّ سببها الرّئيس نفسه أي أنّ الأمر لم يأت نتيجة موقف معادٍ لتونس.
وفي خضمّ التّحوّلات الجيوسياسيّة المتسارعة الّتي تشهدها المنطقة، تبدو بلادنا بوزن هامشيّ للغاية، لا يُعيرها السّاسة الأمريكيّون اهتمامًا كبيرًا، باستثناء ما يتعلّق بالملفّات "ذات الاهتمام المشترك"، وفي مقدّمتها التّنسيق الأمنيّ والعسكريّ. وليس من قبيل الصّدفة، في هذا السّياق، أن تكون واشنطن قد وافقت، نهاية العام الماضي، على صفقة 184 صاروخًا من طراز جافلين FGM-148F، كلّفت الخزانة التّونسيّة أكثر من 107 ملايين دولار، وسط تساؤلات مشروعة بجدوى الاتّفاق، خاصّة أنّ العتاد المقتنى يُستخدم أساسًا كمضادّ للدّبّابات. وتسلّمت تونس قبلها من الولايات المتّحدة أربع طائرات استطلاع وزوارق دوريّات ومدرّعات، بينما يُرتقب تسلّم 12 مروحيّة من طراز SUBARU Bell 412EPX.
في خضمّ التّحوّلات الجيوسياسيّة المتسارعة الّتي تشهدها المنطقة، تبدو تونس بوزن هامشيّ للغاية، لا يُعيرها السّاسة الأمريكيّون اهتمامًا كبيرًا، باستثناء ما يتعلّق بالملفّات "ذات الاهتمام المشترك"، وفي مقدّمتها التّنسيق الأمنيّ والعسكريّ
ومن الهامّ التّذكير بأنّ مسار الصّفقات العسكريّة الّتي توافق عليها الإدارة الأمريكيّة طويل ومضن، إذ يمرّ بمعظم الوزارات والأجهزة السّياديّة، والموافقة، في النّهاية، تكون بقرار سياسيّ، في الأساس.
ولا تزال تونس من أهمّ الدّول على خارطة القيادة العسكريّة الأمريكيّة في إفريقيّا، إذ تحتضن، سنويًّا، جزءًا هامًّا من "الأسد الأفريقيّ"، أهمّ تدريب عسكريّ تقوده واشنطن في القارّة.
العلاقات التّونسية الأميركيّة عادت إلى واجهة الجدل، مؤخّرًا، بعد تقديم السّيناتور الجمهوريّ، جو ويلسون، عريضة تطالب بفرض عقوبات على تونس، واصفًا الرّئيس، قيس سعيّد، بأنه "ديكتاتور مناهض للولايات المتّحدة". لكن، لنتّفق على أنّ الجدل بشأن مبادرة ويلسون تونسيّ تونسيّ، إذ لا أثر لنصّ العريضة في وسائل الإعلام الأمريكيّة أو في النّقاش العامّ الدّائر في مراكز البحوث والدّراسات في واشنطن.
ومن المثير للانتباه أنّ قوى معارضة كانت سبّاقة في رفض خطوة ويلسون، إذ اعتبر الحزب الجمهوريّ، الّذي يقبع زعيمه، عصام الشّابّي، وراء القضبان، أنّ "هذا المشروع يمثّل اعتداءً صارخًا على السّيادة الوطنيّة وتدخّلًا مرفوضًا في شؤوننا الدّاخليّة، ويكشف مجدّدًا ازدواجيّة الخطاب الأمريكيّ الّذي يدّعي الدّفاع عن الدّيمقراطية وحقوق الإنسان فيما تاريخه حافل بدعم الاستبداد والتّنكيل بالشّعوب".
وعمومًا، لا يستحقّ السّيناتور ويلسون أن يُعطى أكثر من حجمه، إذ لا يُعقل أن يُؤخذ على محمل من الجدّ من يستند في ترويجه لفكرة "التّقارب التّونسيّ الإيرانيّ" إلى صورة لسعيّد في موكب عزاء الرّئيس الإيرانيّ، إبراهيم رئيسي.
في المقابل، يجب أن ننتبه إلى أنّ هناك توجّهًا أمريكيًّا عامًّا نحو إعادة تقييم العلاقات مع الأنظمة، لكن حتمًا ليس على مستوى تهمة الانحراف عن المسار الدّيمقراطيّ. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2021، شهدت اللّجنة الفرعيّة للشّرق الأوسط وشمال إفريقيا والإرهاب العالميّ بمجلس النّوابّ الأميركيّ جلسة إصغاء لبحث انقلاب سعيّد على السّلطة. وكان أكثر ما حذّر منه الحاضرون هو إمكانية تقارب تونسيّ صينيّ، حتّى إنّ النّائب السّابق والباحث الحالي بمعهد ويلسون للدّراسات، إيدي أسيفيدو، استشهد باستقبال الرّئيس التّونسي للمدير الإقليمي لشركة هواوي الصّينيّة، في أوت/أغسطس 2021.
الجدل بشأن مبادرة السّيناتور جو ويلسون، الذي طالب بفرض عقوبات على تونس، هو جدل تونسيّ تونسيّ، إذ لا أثر لنصّ العريضة في وسائل الإعلام الأمريكيّة أو في النّقاش العامّ في مراكز البحوث والدّراسات في واشنطن
وعمومًا، تتحسّس الإدارة الأمريكيّة الحالية بشكل بالغ من أيّ نشاط صينيّ متزايد في المنطقة، أي أنّ توجّس واشنطن من بيكين ليس خاصًّا بتونس دون غيرها.
ولا تبحث الولايات المتّحدة فرض تطبيع تونس علاقاتها مع إسرائيل، بل تسعى إلى الحفاظ على الوضع الحالي، بما في ذلك الحيلولة دون صدور قانون يُجرّم التّطبيع. فمن وجهة نظر أمريكيّة تقوم أساسًا على رؤية جماعات الضّغط الصّهيونيّة المتغلغلة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن أكثر من أيّ وقت مضى، ليس لتونس ما تُقدّمه في هذا الملفّ. وخلال جلسة إصغاء مجلس النّواب الأميركيّ، ذكر مشاركون أنّ قيس سعيّد، مثله مثل المعارضة – وقد ضُرب، حينها، مثال قياديّ بحركة النّهضة دون ذكر اسمه – مناهضون للكيان بالفعل.
وحين فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركيّة على السّلع التّونسيّة، فإنّ الخطوة كانت ضمن سلسلة قرارات طالت معظم دول العالم، أي أنّ تونس، مرّة أخرى، لم تكن مستهدفة.
تغيب تونس عن دائرة اهتمام واشنطن، بمؤسّساتها الرّسميّة ومراكز دراساتها ومنظّماتها الحقوقيّة، مقارنة بالزّخم الّذي شهدته، في أعقاب الثّورة الّتي أطاحت بالرّئيس الرّاحل، زين العابدين بن عليّ. بيد أنّ الملفّ يُصبح ورقة داخليّة. ففي الوقت الّذي تُحافظ فيه الإدارة الأميركيّة على منطق المراوحة بين الدّعم العسكريّ والتّعاون الاستراتيجيّ، من جهة، والعتاب السّياسي، من جهة أخرى، تسعى أطراف أزمة التّنافر، في تونس، إلى استخدام الجدل الدّائر بشأن العلاقة من واشنطن كورقة.
ولأنّ خطوات الإدارة الأميركيّة الحالية غير متوقّعة، في ظلّ غياب أيّ رؤية لها أو تصوّر لمستقبل المنطقة، فإنّ الأمر لا يحتمل التّخمين ولا الاستشراف. ما هو ثابت، في المقابل، هو، وكما ذكر بيان الحزب الجمهوريّ، أنّ "المسؤول الأوّل على تعريض بلادنا لمثل هذه المبادرات الخارجيّة هو رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد الّذي أمعن في سياسة الانفراد بالسّلطة وضرب مؤسّسات الدّولة وعمّق عزلة تونس الخارجيّة ودفعها إلى موقع الضّعف والهشاشة أمام الأطراف الدّوليّة".
في الوقت الّذي تُحافظ فيه الإدارة الأميركيّة على المراوحة بين الدّعم العسكريّ والتّعاون الاستراتيجيّ، من جهة، والعتاب السّياسي، من جهة أخرى، تسعى أطراف في تونس، إلى استخدام هذا الجدل
وقد أكّدت المشاركة التّونسيّة المحتشمة في أعمال الجمعيّة العامّة لمنظّمة الأمم المتّحدة تقدير الواقع هذا، إذ أشار موقع "الكتيبة" إلى أنّ وزير الخارجيّة، محمّد عليّ النّفطيّ، لم يلتق خلال هذا الملتقى السّنويّ الدّوليّ، وهو الأوسع والأهمّ في العالم، سوى ثلاثة مسؤولين، هم الأمينة العامّة للاتّحاد الدّوليّ للاتّصالات والمكلّف بتسيير وزارة الخارجية اللّيبيّة والمفوّض الأوروبّيّ للشّؤون الدّاخلية والهجرة.
ولا يمكن أن نختم المقال دون التّطرّق إلى الارتباك الرّسميّ في علاقة باستهداف الأسطول العالميّ لدعم غزّة في ميناء سيدي بوسعيد. ففي الوقت الّذي ذُكر فيه اسم تونس كأحد الأهداف للضّربات الإسرائيليّة الأخيرة، من سفير بنما لدى الأمم المتّحدة، ألفارو دي ألبا، إلى الرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، والعاهل الأردنيّ، الملك عبد اللّه الثّاني، مرورًا بالمبعوث الأميركيّ لدى سوريا، توماس باراك، فضّلت السّلطات التّونسيّة الصّمت. كان ذلك بالتّزامن مع تفرقة اعتصام أمام سفارة الولايات المتّحدة بالقوّة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.

حول العياشي الهمامي
موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

في الإضراب العام وتفاصيله
هل المفاوضات المتعلقة بالزيادة في الأجور قانون أم مجرد عرف؟ ولماذا أقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام يوم الأربعاء 21 جانفي 2026؟ مزيد التفاصيل تقرؤونها في مقال الجامعي والناشط السياسي عبد السلام الككلي

المصادقة على قانون انتداب أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم
صادق مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 خلال جلسته العامة على مقترح قانون عدد 23/2023 المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية

محسن مرزوق: أزمة السياسة في تونس استبداد الحكم وتعفن المجتمع السياسي
قال السياسي التونسي محسن مرزوق في تدوينة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025: "ما تعيشه تونس اليوم من فوضى حكم واستبداد وظلم هو وضع مرفوض طولًا وعرضًا". وأضاف: "حكم الرئيس قيس سعيّد الحالي يمثّل، في رأيي، جملة وخلاصة وتلخيص آثامنا وخطايانا خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2019 وما بعدها"

عميد المحامين التونسيين: جريمة اغتيال محمد الزواري لا تزال دون محاسبة حقيقية إلى اليوم
أحيت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025،، الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري، وذلك خلال تظاهرة انتظمت بدار المحامي بالعاصمة تونس، بحضور عدد من المحامين والحقوقيين وممثلين عن قوى سياسية ومدنية، إلى جانب شخصيات تونسية وفلسطينية

الملعب التونسي: اتفاق مبدئي مع عمار السويح لتدريب الفريق
الناطق باسم الملعب التونسي: عمار السويح، المتواجد خارج حدود الوطن، سيتمّم إجراءات تعاقده مع الملعب التونسي خلال فترة نهاية الأسبوع الجاري

