"استقبال الربيع".. طقس قديم يمارسه التونسيون إلى اليوم
29 أبريل 2025
"الربيع" لغز أبديّ مليء بالإشارات الكونية والتيمات القديمة. تترجمه حقول الشعر وكيمياء الأساطير الأولى من أجل الوصول إلى فهم حركات الزهور النائمة على مرج معلق في أعالي الكلمات دون أن تقتلعها الرياح. لكن، عبثًا يفعل الإنسان، ويظل الربيع تيهًا تتلاقى فيه أطراف الدنيا.
إنه وحدة متلألئة يجابه بها الإنسان انتصاره على الموت لذلك قدسته الأمم واعتبرته فصل النجاة من قسوة الشتاء وفصل اللامحدودية الجمالية التي ينهل منها هدير الأعماق، والموت هو أول شيء يموت في هذا الهدير.
في شمال إفريقيا حيث استوطن الأمازيغ والنوميديون والفنيقيون وغيرهم، تعدّ الاحتفالات بالربيع في صميم الاعتقادات السارية وهي لا تزال متواصلة إلى اليوم في تونس
أما "أعياد الربيع" فهي قديمة قدم الإنسان، اخترقت كل الأزمنة محفوفةً بأساطيرها التليدة ولعلّ أشهرها الأسطورة اليونانية القديمة التي تروي قصة "زهرة الزعفران" الجميلة البديعة التي كانت تعيش في الغابة مع آدم وحوّاء وتحظى باهتمام الجميع لجمالها وطيب رائحتها.
وفي يوم من الأيام قرر الإله "هاديس" الذي يرعى الجحيم في أسفل الأرض أن يخطف زهرة الزعفران ويأخذها معه إلى الجحيمية الهادرة وكان له ذلك، فاختفت الزهرة الفواحة وانطفأت الروائح الذكية وحزنت الأشجار والجبال، عندها قرر آدم وحواء البحث عنها وإعادتها إلى الغابة. وأثناء بحثهما قابلا الآلهة ديميتير حبيبة الزعفران التي حزنت حزنًا شديدًا عندما علمت بخطف الزهرة من قبل "هاديس" ولمعرفتها بأن الزهرة مدفونة أسفل الأرض قامت بإرسال روح الربيع إلى الأرض حتى تتكشف الزهرة المختفية وتينع من تحت التربة.
ومنذ ذلك الوقت اكتسبت الأرض خضرتها الدائمة وأزهارها وألوانها الزاهية. وكان ذلك بداية فصل الربيع وأصبحت زهرة الزعفران رمزًا لبدايته في كل سنة ليس في الثقافة الإغريقية فحسب، بل وفي الثقافات الأخرى أيضًا.
أما الميثولوجيا الرومانية فتعتبر أن " فلورا" هي آلهة الورد ومنها اشتقت كلمة "فلاور" في اللغة الإنجليزية، وقد تم تصويرها أيضًا كآلهة للخصوبة وتم ربطها بفصل الربيع لاعتقادهم بأن فلورا تظهر الخضرة على الأرض وتُخصب المحاصيل.
في الشمال الغربي يتخير الناس يومًا ربيعيًا مشمسًا ومعتدل النسمات، فينتشرون على سفوح الجبال وعلى ضفاف الأودية المجاورة ويقضون يومًا كاملًا في الطبيعة لاستقبال الربيع
وفي شمال إفريقيا حيث استوطن اللّوبيون والأمازيغ والنوميديون والبربر والفنيقيون والقرطاجنّيون، فإن الاحتفال بالربيع هو في صميم الاعتقادات السارية وقد أخذت من بعضها البعض وتواصلت إلى اليوم وتمارس مع شهر أفريل/نيسان من كل سنة وتتنوع طقوس الاحتفال من بلد مغاربي إلى آخر، ومن جهة إلى أخرى وأحيانًا من قرية إلى أخرى، لكن الرمزية واحدة.
في تونس، وإلى اليوم، يُستقبل الربيع استقبالًا خاصًا، ففي الشمال الغربي يتخير الناس يومًا ربيعيًا مشمسًا ومعتدل النسمات، فينتشرون على سفوح الجبال وعلى ضفاف الأودية المجاورة لقراهم ومساكنهم ويقضون يومًا كاملًا في الطبيعة ويطلق الشماليون الغربيون على تلك العملية "نعرّضوا للربيع".
وفي الوطن القبلي (ولاية نابل) يرتبط الربيع لدى أهالي المنطقة بتقطير الزهر (الورد البلدي وأزهار القوارص ونبتة العطرشاء) وهي عادات قديمة تمارس إلى اليوم.
أما في جهات الجنوب التونسي، فإن استقبال الربيع يكون بالخروج إلى الواحات والصحراء رفقة الأهل والأصدقاء، كما يقوم البدو الرحل (الرعاة بالصحراء التونسية) نهاية الربيع بالتنقل إلى جهات الوسط والشمال الغربي بحثًا عن المرعى لقطعانهم، وهكذا يستقبلون الربيع على طريقتهم.
في الوطن القبلي يرتبط الربيع لدى أهالي المنطقة بتقطير الزهر (الورد البلدي وأزهار القوارص ونبتة العطرشاء) وهي عادة قديمة تمارس إلى اليوم
بهذا الخصوص سألنا "العم مختار"، وهو رجل سبعيني من ولاية الكاف، عن هذا الاحتفال الخاص باستقبال فصل الربيع، مشيرًا إلى أنّ الشتاءات قاسية بجهتهم وقد ورثوا عن أجدادهم أن "الربيع هو رمز للعطاء ومدرار لخيرات الطبيعة وهو منطقة وسطى بين القرّ والحرّ تأتي رحمة من السماء".
ويضيف محدثنا أنّ "عادة الخروج للربيع قديمة في جهة الكاف ولم تتوقف يومًا، ويمارسها أهل المدينة كما أهل الريف، وبيّن أن "الكافي" يخرج بين أشهر مارس/آذار وأفريل/نيسان وماي/أيار إلى الطبيعة لينعم بصوتها الذي أفقدته إياه حياة المدينة وصخبها وبروائحها الخلّابة ونسيمها العليل وخيراتها أيضًا، مشيرًا إلى أنه ثمة نباتات طبيعية كان الأجداد يأكلونها أثناء خروجهم، على غرار "التالمة والكز وقرين جدي وكرع دجاجة وقحوانة وبوحلببة والتيفاف والعسلوج وخرشف" وفيها فوائد جمة أثبتها الطب البديل اليوم.
"عم الناصر الهذيلي" تعود أصوله إلى ولاية القيروان وهو معلم متقاعد يقيم بالعاصمة تونس حدثنا بخصوص عادة الخروج للربيع، مبينًا أنها من العادات القديمة والجميلة الموروثة عن أجدادنا البربر والأمازيغ ولم يُتخلَّ عنها إلى اليوم لما فيها من فوائد تعود على النفس والصحة والتقارب العاطفي الأسري، فأن تقضي أسرة بأكملها يومًا كاملًا على بسط الأزهار وقبالة الجبال وعلى ضفاف الأودية والأنهار والعيون الجارية وقرب السدود والبحيرات الجبلية، فإن الأواصر تتمتن والوشائج تتجدد والأنفس تميل إلى الأنفس والمرح يسري والعلاقات تتطيب، وفقه.
وأشار "عم الناصر" إلى أنه كان يشجع تلاميذه سابقًا على ممارسة هذه العادة ويلمح انعكاس ذلك في سلوكهم ونتائجهم.
وعن جهة القيروان، وخصوصًا أريافها الفسيحة والمترامية، ذكر "عم الناصر الهذيلي" أنّ أبناء تلك الربوع يعدون أكلات خاصة بالخروج للربيع مثل "الملثوث بالفول" ويشربون معه "اللبن" و"شكشوشة الخرشف" مع خبز الشعير وأكلة "الخبّيزة" ويتفكهون بمقولة شهيرة "الربيع ربّع واللبن أقراص واللي عندو بنية يعطيها للتراس" (أي أنّ الربيع حل ركبه وأن اللبن تغير طعمه جراء كثرة الأعشاب وبالتالي من له ابنة في عمر الزواج فليبحث لها عن شاب ويزوجها).
في جهات الجنوب التونسي، يكون استقبال الربيع بالخروج إلى الواحات والصحراء رفقة الأهل والأصدقاء
زينة الكسراوي، أصيلة سليانة، تحدثت لـ"الترا تونس" عن استقبال الربيع قائلةً إنّ العائلات بجهة كسرى وهي القرية البربرية التي قضت فيها طفولتها ويفوعها، لا تفوّت استقبالها للربيع فهو رمز الدفء بعد موسم الثلوج، فتقضّي يومًا كاملًا في بساتين التين وفي غابات الصنوبر المجاورة، وتجلس حذو الينابيع والعيون الجارية.
ومن العادات أيضًا القيام بطبخ "البركوكش" بنبتة "الحريقة" التي يتم قطعها من الغابة وذلك في أمكنة الخروج وحمل ما تبقّى منها للأهل الذين بقوا في البيوت كما يعدّون الشاي الأحمر على ما تبقى من نار الموقد. وأضافت أنهم بعد القيلولة يمرحون ويغنون ويرقصون ومع الغروب يعودون.
وأشارت "زينة"، وهي سبعينية بعيون خضر، إلى أن استقبال الربيع هي عادة من عادات الأجداد وهي نوع من الشفاء للروح العليلة ولا بد من الحفاظ عليها.
الشابة "منيار" طالبة من جهة قليبية من ولاية نابل أكدت، لـ"الترا تونس"، أنّ عادة الخروج إلى الربيع هي من المواعيد الثابتة في جهتهم وليست مرتبطة بالأعمار أو المستوى التعليمي فهم يخرجون كبارًا وصغارًا إلى البساتين والحقول المجاورة وإلى البحر أيضًا يستمتعون بعودة الدفء وعملية الإزهار.
إحدى متساكنات سليانة لـ"الترا تونس": من عادات استقبال الربيع لدينا القيام بطبخ "البركوكش" بنبتة "الحريقة"في الغابة ثم إعداد الشاي الأحمر وبعد القيلولة يأتي وقت الغناء والرقص حتى المغيب
وأضافت أنّ العائلات تحمل أفرشة وأطعمة وحلويات مثل كعك قليبية الشهير ومدموجة بالزبيب والرفيس التونسي، وتكون فرصة للحديث في شؤون العائلة وتفقد المزارع والمحاصيل، وخصوصًا المناحل المنتشرة في الوطن القبلي التي تزوّد سوق العسل في تونس بنصيب وافر.
مختص في الأنتروبولوجيا: "الإنسان يميل فطريًا إلى فصل الخصوبة"
وأفاد المختص في الأنتروبولوجيا والباحث بالجامعة التونسية رمزي محواشي، في حديث مع "الترا تونس"، بأنّ "أعياد الربيع" أو "استقبال الربيع" أو "الخروج إلى الربيع"، لها أشكال كثيرة ومتنوعة وطرق الاحتفال بها عديدة لكنّ جوهرها واحد وهو البهجة وإسعاد الذات ضمن حركة الكون، وقد انشغلت بها في البداية الكتابات التاريخية والفلسفية وكان الفهم الأوّل في علاقة بالأسطورة والأديان القديمة والبحث عن حقيقة الوجود".
مختص في الأنتروبولوجيا لـ"الترا تونس": "أعياد الربيع" لها أشكال كثيرة ومتنوعة وطرق الاحتفال بها عديدة لكنّ جوهرها واحد وهو البهجة وإسعاد الذات ضمن حركة الكون
وتابع: "فيما بعد اعتُبرت هذه الظاهرة في صميم علوم الإناسة وما تفرع عنها، كما تناولتها العلوم الإنسانية الحديثة محاولة فهمها فهمًا جديدًا وخاصة من زاوية قدرتها على الاستمرار واختراق الزمن، وقد فسرت تلك البحوث الجديدة عادة استقبال الربيع أو الخروج إليه تفسيرات يتداخل فيها علم النفس بعلم النفس الاجتماعي بالتاريخ الثقافي وتاريخ الحضارات".
وبيّن رمزي المحواشي أن "أمازيغ وبربر شمال إفريقيا أسسوا لعادة استقبال الربيع وهو ما أثبتته الدراسات الحضارية والثقافية والانتروبولوجية"، موضحًا أنه في تونس نجد هذه العادة منتشرة على طول البلاد بطقوس مختلفة أحيانًا من قرية إلى أخرى، مضيفًا أنّ "التونسيين لا يتنازلون عن هذه العادة حتى في الحروب والأزمات ففي الحربين العالميتين استقبل الربيع كما جرت العادة".
وذكر محدثنا أنّ عادة استقبال الربيع مليئة بالرمزية فهي تعبر على الميل الفطري لدى الإنسان لفصل الخصوبة ونمو خيرات الطبيعية وفي ذلك استمراره ومقاومته للموت والفناء وأيضًا الربيع هو فرصة لشحذ العواطف ودحر الكآبة فهو فصل بليغ فيه كناية على الحب والجمال لذلك خلده الشعراء والكتاب في أعمالهم الإبداعية.
مختص في الأنتروبولوجيا لـ"الترا تونس": عادة استقبال الربيع مليئة بالرمزية فهي تعبر على الميل الفطري لدى الإنسان لفصل الخصوبة ونمو خيرات الطبيعية وفي ذلك استمراره ومقاومته للموت والفناء
وأشار المحواشي إلى أنّ منظر العائلات والأفراد وهم في قلب الطبيعة يفترشون خضرة الحقول ويستظلّون ظل الغابات والبساتين يشي بالتماهي الطبيعي بين الكائنات وهو سلوك سوي وصحي لا بدّ من المحافظة عليه ودعمه وتشجيعه، ودعا المدارس والعائلات والأفراد إلى تنظيم رحلات خاصة تحت عنوان "استقبال الربيع" وتكريس طقوس جديدة وجعلها امتداد للماضي القديم.
إن عادة استقبال الربيع هي من العادات الشعبية القديمة التي لم تعرف لها قطيعة إبستيمولوجية لقد اخترقت كل الأزمنة وتواصلت إلى اليوم، فالتونسي لا يفوّت فرصة الخروج لاستقبال الربيع سواءً بشكل فردي أو وسط مجموعات الأصدقاء أو العائلة أو ضمن رحلات منظمة من قبل جمعيات بيئية أو جهات سياحية، فهو يدرك بالفطرة أن الخروج للطبيعة تحسن من مزاجه وتخفف من أمراض التوتر.
الكلمات المفتاحية
طقوس الحج في تونس.. عرس للروح وتراث لا يموت
لا تقل عودة الحجاج بعد أدائهم شعيرة الحج، حماسةً عن الوداع؛ إذ يُستقبل الحاج في تونس، بقرع الدفوف والورود وسط أجواء تعبق برائحة البخور. وتكتمل الفرحة بذبح الخراف وإقامة الولائم الكبرى، حيث يتصدر "الكسكسي التونسي بالعلوش" الموائد، تعبيرًا عن شكر النعمة.
مرصد: أفريل الشهر الأعلى احتجاجًا في تونس والأزمة الاجتماعية تعمّق الاحتقان
المرصد الاجتماعي التونسي: نسق الحراك الاحتجاجي يواصل نسقه التصاعدي في تونس، وشهر أفريل 2026، شهد أعلى عدد من التحركات منذ بداية السنة
ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ
سنة البكالوريا ليست مجرد محطة دراسية، بل هي اختبار حقيقي لوعي الأسرة وقدرتها على حماية توازنها الداخلي، حتى لا يكبر بعض أبنائها وهم يحملون شعورًا خفيًا بأنهم كانوا، يومًا ما، على هامش الحكاية
هل سُجّلت إصابات بفيروس هانتا في تونس؟ وزارة الصحة تتفاعل
وزارة الصحة التونسية: نواصل متابعة الوضع الصحي العالمي، وتعزيز منظومة اليقظة الصحية والترصد الوبائي والاستعداد والاستجابة، خاصة عبر نقاط الدخول والمصالح المختصة، بما يضمن الكشف المبكر والتعامل السريع مع أي تطورات محتملة
أهالي قابس يقرّرون العودة إلى الاحتجاجات لتحقيق مطلب تفكيك الوحدات الملوّثة
حملة "أوقفوا التلوث": سنواصل رفع أصواتنا في بكل الأشكال الممكنة والمتاحة إلى حين تحقيق مطلبنا بتفكيك الوحدات، وتحمل الجميع مسؤوليتهم أمام الإبادة البيئية والجرائم ضد الطبيعة والإنسان
جربة زمن الشعبوية والهويات الطاردة
من الواضح أن من اختار كتابة أسماء هذه الدول الإفريقية الثلاث لديه لبس جغرافي وعدم معرفة بالمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء القادمين إلى بلادنا والراغبين في الهجرة إلى الضفة الشمالية للمتوسط
موعد عيد الأضحى 2026 في تونس
مفتي الجمهورية التونسية: يوم الاثنين 18 ماي 2026، هو أول أيام شهر ذي الحجة 1447 هجري، وأنّ عيد الأضحى المبارك يكون يوم الأربعاء 10 ذي الحجة 1447 الموافق ليوم 27 ماي 2026