أمّا التّسلّطيّة فليست مجازًا!
1 نوفمبر 2025
مقال رأي
في مشهد بات مألوفًا في بلادنا، قضت المحكمة الابتدائيّة بتونس بسَجن المحامي والقاضي السّابق، أحمد صواب، خمس سنوات، مع إخضاعه للمراقبة الإداريّة لثلاث سنوات أخرى. واتّهم صواب بـ"ارتكاب جرائم إرهابيّة بهدف إرغام شخص على القيام بفعل أو الامتناع عنه وتعريض حياة شخص مشمول بالحماية للخطر والتّهديد بما يوجب عقابًا جنائيًّا"، على خلفيّة تصريحه، الرّبيع الماضي، بأنّ "السّكاكين ليست موضوعة على رقاب المعتقلين، بل على رقبة القاضي الّذي سيُصدر القرار"، في تعليقه آنذاك على الأحكام الصّادرة في حقّ المتّهمين في قضيّة "التآمر".
بلا مواربة أو مبالغة، ضاق صدر الدّولة بالتّعبير المجازيّ فبات جريمة مثلما أصبح النّقد خيانة والمعارضة تهديدًا للأمن القوميّ. ودعا المحامي، سامي بن غازي، ولو مجازًا، إلى "إيقاف الدّراسة في كلّيّات الحقوق"، فقضيّة صواب "حُجزت دون مرافعة ودون تلاوة قرار دائرة الاتّهام ودون استنطاق ودون طلبات، بل ودون حضور المتّهم نفسه." ولا يُمكن وصف هذه الإخلالات الإجرائيّة الخطيرة سوى بالعبث، وهذا ليس مجازًا!
اقرأ/ي أيضًا: تضامن واسع في الساحة السياسية والحقوقية في تونس إثر حكم بالسجن ضدّ أحمد صواب
الحكم ضدّ أحمد صواب يأتي كاشفًا لإمعان السّلطة في التّذكير بأنّ الخلفيّة المهنيّة للمتّهم أو مكانته الاجتماعيّة لا تحميه من بطشها، وهو تكتيك قديم قِدم الأنظمة التّسلّطيّة الّتي تعاقبت على حكم البلاد. وما يُخيف السّلطة ليس صواب كشخص، بل ما يُمثّله، باستقلال فكره وجرأة نقده ورفضه الانصياع
وكسابقاتها من جلسات القضايا السّياسيّة، لم تدم المحاكمة أكثر من سبع دقائق، حسب هيئة الدّفاع، الّتي دعت "جميع القوى الحيّة ومكوّنات الطّيف السّياسيّ والمدنيّ إلى التّعبير عن رفضها لتوظيف القضاء في الخصومات السّياسيّة وإلى الدّفاع عن استقلال السّلطة القضائيّة وحرّيّة المهنة."
وحتّى نفهم خطورة هذا الحكم، لا بدّ من وضعه في سياقه الأوسع. فتونس تشهد منذ أشهر تدهورًا حقوقيًّا مقلقًا. ووثّقت منظّمة "تقاطع من أجل الحقوق والحرّيّات" أشكالاً شتّى من الانتهاكات في السّجون بحقّ مواطنين وناشطين سياسيّين، بلغت حدّ تسجيل حالات وفاة مسترابة. وأوضحت المنظّمة، في تقرير أصدرته الثّلاثاء، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنّ "الانتهاكَات المُوَثقة ليست حالات معزولة، بل هي أنماط متكرّرة تكشف عن إخلال ممنهج بالتزامات الدّولة التّونسيّة في حماية حقوق الأشخاص المحرومين من حرّيتهم."
في الوقت ذاته، تتعرّض منظّمات مستقلّة لحملة تضييق غير مسبوقة، إذ علّقت السّلطات التّونسيّة نشاط عدد منها لمدّة شهر، دون مبرّرات قانونية واضحة، في ما يبدو أنّه عقاب جماعيّ لكلّ من يجرؤ على العمل خارج مظلّة السّلطة.
اقرأ/ي أيضًا: "النّساء الدّيمقراطيّات" وأخواتها
واتّجهت سهام أبواق سلطة الأمر الواقع إلى اتّحاد الشّغل، في محاولة لمزيد عزله وتشويه رمزيّته التّاريخيّة. وذكر أمين عامّ كبرى النّقابات التّونسيّة، نور الدّين الطّبّوبي، أنّ "أبواب الحوار مع السّلطة التّنفيذيّة قد أغلقت على جميع المستويات منذ فترة طويلة." ولم يكن التّصريح مفاجئًا، في ظلّ نظام حكم يُعادي الأجسام الوسيطة كافّة.
بات من الثّابت أنّ هناك ديناميّة للقمع و/أو للتّضييق، تبدأ من خطاب تحريضيّ للرّئيس، قيس سعيّد، ضدّ خصومه يُعتمد كتوجيه عامّ، وتتبعه حملات التّشهير فالإيقاف ثمّ الملاحقة القضائيّة، في أحيان كثيرة، ديناميّة تهدف إلى خلق مناخ عامّ من الخوف
وبات من الثّابت أنّ هناك ديناميّة للقمع و/أو للتّضييق، تبدأ من خطاب تحريضيّ للرّئيس، قيس سعيّد، ضدّ خصومه يُعتمد كتوجيه عامّ، وتتبعه حملات التّشهير فالإيقاف ثمّ الملاحقة القضائيّة، في أحيان كثيرة، ديناميّة تهدف إلى خلق مناخ عامّ من الخوف.
ويأتي الحكم على أحمد صواب كاشفًا لإمعان السّلطة في التّذكير بأنّ الخلفيّة المهنيّة للمتّهم أو مكانته الاجتماعيّة لا تحميه من بطشها، وهو تكتيك قديم قِدم الأنظمة التّسلّطيّة الّتي تعاقبت على حكم البلاد.
وما يُخيف السّلطة ليس صواب كشخص، بل ما يُمثّله، باستقلال فكره وجرأة نقده ورفضه الانصياع، ناهيك عن انخراطه في مبادرات حقوقيّة عدّة والتحامه بقطاعات وفئات متعدّدة من المجتمع، بما في ذلك جماهير كرة القدم. هذه الصّفات، في زمن السّلطويّة، تُعتبر تهديدًا وجوديًّا. ولهذا، يُعاقَب صاحبها، لا على ما فَعَل، بل على ما يُمكن أن يُلهمه.
اقرأ/ي أيضًا: تقرير: تعذيب وسوء معاملة وإهمال طبي وانتهاكات أخرى ممنهجة داخل السجون التونسية
وهذا ما يُفسّر بالمناسبة، وفي سياق آخر، هرولة السّلطة إلى الالتفاف على الزّخم الشّعبيّ الّذي شهدته مدينة قابس ولا تزال في تحرّكاتها من أجل تفكيك المجمع الكيميائيّ بترويج فكرة أنّها تقف إلى جانب أهالي المدينة المنكوبة، رغم عجزها التّامّ عن تقديم أيّ حلّ معقول دائم، إذ ثمّة مخاوف من اتّساع انتشار الحراك إلى صفاقس وقفصة، الّتي تعرف بدورها مشاكل بيئيّة جمّة جرّاء المجمع نفسه.
لا يُعتقد أن يكون الحكم ضدّ أحمد صواب نهاية القصّة. هو بالكاد فصل آخر جديد في معركة طويلة لن تُحسَم في المحاكم، بل في الوعي العامّ وفي قدرة المجتمع على الصّمود وفي إصرار الفرد على قول "لا" حين يُطلَب منه الصّمت. هذا، طبعًا، إذا ما أراد المجتمع والفرد ذلك!
وتكشف هذه المخاوف هشاشة المنظومة الحاكمة، رغم غطاء القمع الّذي تحتمي به. فالنّظام الّذي يخشى الكلمة ويُجرّم المجاز ويُلاحق المنظّمات ويعمل على احتواء التحرّكات الشّعبيّة يُدرك أنّه لا يملك شرعيّة حقيقيّة، ناهيك عن المشروعيّة، فيلجأ إلى العصا لا إلى الحوار.
ولا يُعتقد أن يكون الحكم ضدّ أحمد صواب نهاية القصّة. هو بالكاد فصل آخر جديد في معركة طويلة لن تُحسَم في المحاكم، بل في الوعي العامّ وفي قدرة المجتمع على الصّمود وفي إصرار الفرد على قول "لا" حين يُطلَب منه الصّمت. هذا، طبعًا، إذا ما أراد المجتمع والفرد ذلك!
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.

حول العياشي الهمامي
موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

في الإضراب العام وتفاصيله
هل المفاوضات المتعلقة بالزيادة في الأجور قانون أم مجرد عرف؟ ولماذا أقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام يوم الأربعاء 21 جانفي 2026؟ مزيد التفاصيل تقرؤونها في مقال الجامعي والناشط السياسي عبد السلام الككلي

المصادقة على قانون انتداب أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم
صادق مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 خلال جلسته العامة على مقترح قانون عدد 23/2023 المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية

محسن مرزوق: أزمة السياسة في تونس استبداد الحكم وتعفن المجتمع السياسي
قال السياسي التونسي محسن مرزوق في تدوينة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025: "ما تعيشه تونس اليوم من فوضى حكم واستبداد وظلم هو وضع مرفوض طولًا وعرضًا". وأضاف: "حكم الرئيس قيس سعيّد الحالي يمثّل، في رأيي، جملة وخلاصة وتلخيص آثامنا وخطايانا خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2019 وما بعدها"

عميد المحامين التونسيين: جريمة اغتيال محمد الزواري لا تزال دون محاسبة حقيقية إلى اليوم
أحيت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025،، الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري، وذلك خلال تظاهرة انتظمت بدار المحامي بالعاصمة تونس، بحضور عدد من المحامين والحقوقيين وممثلين عن قوى سياسية ومدنية، إلى جانب شخصيات تونسية وفلسطينية

الملعب التونسي: اتفاق مبدئي مع عمار السويح لتدريب الفريق
الناطق باسم الملعب التونسي: عمار السويح، المتواجد خارج حدود الوطن، سيتمّم إجراءات تعاقده مع الملعب التونسي خلال فترة نهاية الأسبوع الجاري

