ألفة الحامدي مثالًا.. لماذا علينا أن نهتم بعلم النفس السياسي في تونس؟
22 يوليو 2025
مقال رأي
أعلنت ألفة الحامدي، رئيسة حزب الجمهورية الثالثة، قبل أسابيع قيادتها "السلطة المدنية الدستورية" في تونس باعتبار أن رئيس الدولة قيس سعيّد تنازل طوعيًا، حسب قولها، عن صلاحياته إثر تفويضه لهذه السلطة إلى المؤسسة العسكرية، وأعلنت بدء مشاورات مع الأحزاب لتكوين حكومة جديدة. وباتت الحامدي تتعامل من حينها كجهة حكم تصدر بيانات للعموم تتضمّن "بيانات دستورية" حول مجالات مختلفة وتوجّه مراسلات للبعثات الدبلوماسية.
طبعًا، لا يقع التعامل معها بأي جديّة مطلقة على نحو أنّ التفاعلات مع قراراتها لا تلقى إلا التفاعل الساخر على صفحتها. ولكن الاطلاع على المسار الذي اختارته الحامدي، وهي التي تقود حزبًا "معارضًا"، وفي ظل استفحال حالة الشعبوية في الفضاء السياسي العام، يعزّز حاجتنا أن نوجّه اهتمامنا إلى مبحث علم النفس السياسي الذي يقوم على فهم السلوك السياسي من منظور نفسي. علينا أن نحاول تفكيك الأزمة المركّبة التي تشهدها البلاد، بما في ذلك داخل النخبة، من زوايا مختلفة.
المعضلة ليست في حمل ألفة الحامدي جنسية دولة أجنبية، فهذا مشروع مبدئيًا لكل فرد، ولكن في توظيف ذلك لغايات سياسية والدفع نحو خيارات دبلوماسية مشبوهة، إذ تلتزم الحامدي الصمت المطبق تجاه الجرائم الصهيونية في قطاع غزة
ألفة الحامدي تقدّم لنا وصفة جاهزة لحالة متفرّدة داخل الفضاء العامّ هي أقرب للمجال النفسي منه لتقدير المجال السياسي المحض. ولذلك تفطّن باحثون منذ عقود إلى أهمية طرق علم النفس في فهم سلوك سياسيين كحاجتهم الفائقة للنفوذ والتسلّط. الحامدي هي خبيرة دولية في إدارة المشاريع عرفها التونسيون في موجة اللجوء للتكنوقراط لتولّي الخطط الوزارية والإدارية العليا. عُيّنت بداية عام 2021 على رأس الخطوط التونسية ولم تلبث بمنصبها إلا نحو 7 أسابيع فقط بعدما تحوّلت لنقطة أزمة في الصراع بين النقابات والحكومة. حاولت تباعًا إظهار أن إقالتها هي نتيجة تصدّيها للعبث النقابي، وهو صحيح لدرجة ما، ولكن كانت المعضلة في طريقتها الصدامية، والاستعراضية أيضًا، في إدارة الشركة العمومية. إذ يُستذكر بالخصوص مشهد صعودها فوق طاولة لتخطب في العملة. وبرّرت صعودها الاستعراضي فوق طاولة بأنها لا تحبّ الجلوس على الكراسي. كانت معالم الخطاب الشعبوي تنكشف.
وكان قبل توليها قيادة "التونسيار"، قد وقع تداول اسمها لتولي وزارة الخارجية وهو ما سعت إليه الحامدي باعتبارها كفاءة وطنية شبابية. كان واضحًا الطموح على نحو جعلها تبادر لتؤسس حزبًا بعنوان "الجمهورية الثالثة" في فيفري/شباط 2022 مؤكدة دعمها لمسار سعيّد بعد 25 جويلية/يوليو ولكنها تؤمن أن الجمهورية الجديدة يجب أن تكون "اقتصادية". كانت تقدّم خطابًا يسعى لترذيل السياسة بمعانيها المؤسسة في العمق بعنوان الحاجة للنجاعة الاقتصادية في مراجعة سطحية للأزمة المركبة في البلاد.

اختارت بذلك أن تخوض العمل الحزبي من بوّابة القيادة بدل الانضمام لأي فصيل آخر، باعتبارها ترى نفسها شخصية وطنية قادرة على إحداث تحوّل تاريخي في البلاد بالانتقال من جمهورية إلى أخرى جديدة. وهي تتصدّى بخطاب موغل في الغرور السياسي بحرصها على تقديم نفسها كصاحبة كفاءة لا يشق لها غبار تحمل برنامجًا لتحقيق الرخاء في البلاد، وهي، للطرافة، وظّفت تكليفها لتقديم محاضرات لفترة قصيرة بمعهد الدفاع الوطني لتعزّز "سيرتها السياسية". بل لا يتردّد البعض في الحديث عن حالة جنون عظمة بلغت أوجّها حينما صرّحت في تصريح تلفزي، في ماي/أيار 2023، أنها تتأسّف بأنها تضطرّ لعرض أفكارها في برنامج إعلامي بدل عرضها في مجلس الأمن القومي في إطار سرّي. وهو غرور يترادف مع حالة صبيانية في العمل السياسي عكستها سلسلة القرارات التي تعلنها دوريًا على صفحتها بمضامين متهافتة واندفاعية مع عدم منطقية سياسية ولا قانونية.
صورة بدت كاريكاتورية لأبعد الحدود. فبعد إعلانها ما أسمته "السلطة الدستورية الانتقالية"، أصدرت "قرارًا" يوم 8 جوان/يونيو بإعلان حالة السلم في تونس "وبالتالي انتهاء كل الأطر القانونية الدولية المرتبطة بحالة الحرب أو النزاع المسلّح وغير المسلّح التي تم تطبيقها دوليًا على تونس". هكذا. ثم أصدرت "بيانًا دستوريًا" مفاده أنها وجهت مكتوبًا للأمم المتحدة لـ"إعلان استعادة السيادة الدستورية التونسية" وأنّ حزبها قام بـ"تصحيح السجل الدولي" كما أعلنت فتح باب تعيين ممثلي تونس في لجنة البندقية. وفي "بيان دستوري" آخر، أعلنت "إلغاء الإرث القانوني ما قبل 1956". ثم بحكم "تحمّلها للسلطة الدستورية الانتقالية"، أعلنت "إسقاط السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية على الإدارة التونسية". وفي يوم 18 جوان/يونيو بمقتضى "بيان دستوري" جديد، أعلنت "تحوّل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف الأعمال وإعلان الاحتكام بالأمر عدد 400 لسنة 1969 لتعيين الوزير الأول". طبعًا، لا حاجة للعودة للانحرافات القانونية التي أسست عليها قراراتها التي تضمن الكثير من الحشو اللغوي بالمناسبة.
هذه القرارات الظاهرة أنها "خطيرة" يقع تداولها كمادة ترفيهية في صفوف المعارضين قبل أنصار السلطة. ولكن من المهمّ الملاحظة أن مواقف ألفة الحامدي في القضايا الإقليمية والدولية، تعكس اصطفافًا واضحًا مع مواقف الإدارة الأميركية، ومهمّ هنا التذكير بأنها "تحمل جواز أمريكي" حسبما أعلنته بنفسها في وقت سابق. المعضلة ليست في حمل جنسية دولة أجنبية فهذا مشروع مبدئيًا لكل فرد، ولكن في توظيف ذلك لغايات سياسية والدفع نحو خيارات دبلوماسية مشبوهة. إذ تلتزم الحامدي الصمت المطبق تجاه الجرائم الصهيونية في قطاع غزة، كصمتها على المشاركة الأميركية التي بلغت مستوى غير مسبوق كإصدار عقوبات ضد المقررة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية أو ضد قضاة في المحكمة الجنائية الدولية.
لا تفوّت الحامدي أي فرصة لإثبات موالاتها للخط الأميركي مقابل صمتها "المشبوه" تحديدًا على الدور الأميركي المباشر في الإبادة الصهيونية في غزة. وتعزّز الشبهة بدعوتها العلنية لاستقبال تونس لمليون فلسطيني من قطاع غزة فيما ظهر انخراطًا في تنفيذ مشروع التهجير
في المقابل، وفي خضم الحرب الخاطفة بين الكيان الصهيوني وإيران، اعتبرت "صاحبة السلطة الدستورية الانتقالية" أن قرار وزارة الخارجية بإلغاء تأشيرات دخول تونس للمواطنين الإيرانيين والعراقيين "يتعارض مع مبدأ حماية الأمن القومي والشعب". كما اعتبرت لاحقًا أن الخارجية التونسية تدعم إيران في سياستها النووية الهادفة للتسلّح النووي معتبرة ذلك "انضمامًا إلى تحالف دولي ذي صبغة أمنية وعسكرية غير معلن، وهو ما لا يتماشى مع تحالفاتنا الأمنية والعسكرية الرسمية والثابتة منذ انبعاث الجيش الوطني التونسي"، فيما يظهر وضوحًا استماتتها في الوقوف في الصف الموالي للولايات المتحدة. ثم انتقدت في بيان ثالث ما أسمته "التهديدات الإيرانية للدول العربية". مجددًا، لا تفوّت الحامدي أي فرصة لإثبات موالاتها للخط الأميركي مقابل صمتها "المشبوه" تحديدًا على الدور الأميركي المباشر في الإبادة الصهيونية في غزة. وتعزّز الشبهة بدعوتها العلنية لاستقبال تونس لمليون فلسطيني من قطاع غزة فيما ظهر انخراطًا في تنفيذ مشروع التهجير.
ألفة الحامدي بقدر ما يظهر أنها "ساذجة" سياسيًا على نحو ما يظهر من تهافت "بياناتها الدستورية" وهي تتعامل مع العموم بوصفها سلطة قائمة الذات، فإنها، في الواقع، تعبّر عن اصطفاف دبلوماسي واضح موالاة للولايات المتحدة. هي سذاجة غير بريئة في نهاية المطاف. وهي، في المجمل، تعبيرة عن حالة سياسية مضطربة في الفضاء العام، وهي الباحثة عن الأضواء بأي ثمن، وتسعى بكل قوّة لإظهار "كفاءتها" منقطعة النظير، وأنها قادرة على إحداث ثورة غير مسبوقة. تهافت ممزوج بحالة واضحة من الوصولية عكسها اضطراب موقفها من السلطة وانقلاب مواقفها منها بين الفينة والأخرى. ألفة الحامدي حالة لا يمكن فهمها إلا بالاستعانة بعلم النفس السياسي، وهو العلم الذي أعتقد أننا بحاجة فائقة لتوظيفه في أدوات تحليلنا للفاعلين السياسيين في البلاد.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.

حول العياشي الهمامي
موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

في الإضراب العام وتفاصيله
هل المفاوضات المتعلقة بالزيادة في الأجور قانون أم مجرد عرف؟ ولماذا أقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام يوم الأربعاء 21 جانفي 2026؟ مزيد التفاصيل تقرؤونها في مقال الجامعي والناشط السياسي عبد السلام الككلي

المصادقة على قانون انتداب أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم
صادق مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 خلال جلسته العامة على مقترح قانون عدد 23/2023 المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية

محسن مرزوق: أزمة السياسة في تونس استبداد الحكم وتعفن المجتمع السياسي
قال السياسي التونسي محسن مرزوق في تدوينة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025: "ما تعيشه تونس اليوم من فوضى حكم واستبداد وظلم هو وضع مرفوض طولًا وعرضًا". وأضاف: "حكم الرئيس قيس سعيّد الحالي يمثّل، في رأيي، جملة وخلاصة وتلخيص آثامنا وخطايانا خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2019 وما بعدها"

عميد المحامين التونسيين: جريمة اغتيال محمد الزواري لا تزال دون محاسبة حقيقية إلى اليوم
أحيت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025،، الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري، وذلك خلال تظاهرة انتظمت بدار المحامي بالعاصمة تونس، بحضور عدد من المحامين والحقوقيين وممثلين عن قوى سياسية ومدنية، إلى جانب شخصيات تونسية وفلسطينية

الملعب التونسي: اتفاق مبدئي مع عمار السويح لتدريب الفريق
الناطق باسم الملعب التونسي: عمار السويح، المتواجد خارج حدود الوطن، سيتمّم إجراءات تعاقده مع الملعب التونسي خلال فترة نهاية الأسبوع الجاري

