"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"
4 مارس 2026
مقال رأي
أعتقد جازمًا أنّ الرّئيس، قيس سعيّد، لم يفرض على أنصاره مواقف بعينها ولا حاول إقناعهم بتوجّهاته، الغامضة أصلًا. هو يتحدّث كثيرًا ويفعل قليلًا، فيما ينتهي المتلقّي المتموقع إلى جانبه إلى ما يراه متماهيًا مع ساكن قرطاج، حتّى وإن كان بالتّمنّي.
فحين أشاع سعيّد قُربه من إيران، قولًا وفعلًا، هرول أنصاره إلى تحليل متّسق مع السّرديّة الرّسميّة العامّة لانقلاب الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021 المستندة أساسًا إلى أنّ المجمع السّياسيّ الّذي قاد البلاد خلال "العشريّة السّوداء" تابع لمحور الولايات المتّحدة وخاضع لها ولإملاءاتها.
ولم تُفوّت إيران، من جهتها، فرصة الاستثمار في الموقف الرّسميّ التّونسيّ، فخلال زيارة سعيّد طهران، عقب وفاة الرّئيس إبراهيم رئيسي، ذكر الموقع الرّسميّ للزّعيم الإيرانيّ، عليّ خامنئي، أنّ وجود شخصيّة فاضلة وأكاديميّة مميّزة مثل قيس سعيّد في موقع الرّئاسة في تونس يُعدّ فرصة لهذا البلد بعد سنوات من الحكم الاستبداديّ والانفصال عن العالم الإسلاميّ، لتظهر وجهًا جديدًا وطيّبًا من نفسها"، مضيفا أنّ القيادة في إيران تأمل "في ظلّ حكمة قيس سعيّد أن تحقّق الوحدة اللّازمة بين مختلف الأطياف في تونس وتوفير الأرضيّة لمزيد من التّقدّم".
بدا الموقف التّونسيّ الرّسميّ مهتزًّا بشكل كبير، منذ إطلاق الولايات المتّحدة وإسرائيل حربًا مفتوحة على إيران.. وبيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة جاء مُبهمًا، مفتقدًا للبنية المنهجيّة لأيّ موقف
لم ينتفض أنصار سعيّد حينها إزاء الموقف النّابع من تدخّل واضح وصريح في الشّأنّ التّونسيّ، بل احتفوا به بشكل واسع. وذهبت جريدة "الشّروق" إلى حدّ التّبشير بأنّ الرّئيس التّونسيّ "دفن الصّهيونيّة في طهران"، معتبرةً أنّه "من النّاحية العمليّة، أنهى الرّئيس قيس سعيّد مرحلة ما يُعرف بتونس الأطلسيّة الّتي استمرّت قرابة 40 عامًا"، في إشارة إلى اصطفاف تونس التّقليديّ إلى جانب الغرب، وأضافت أنّه "عندما يتجاوز رئيس الدّولة هذا الخطّ الأحمر فإنّه يختزل عُمق التّغيير الحاصل في تونس ليتحوّل شعار السّيادة الوطنيّة إلى ثابت مركزيّ غير قابل للمساومة".
اقرأ/ي أيضًا: العدوان على إيران.. كيف يمكن أن يهمنا في تونس؟
وزاد من تعزيز هذا التّحليل الهجومُ الغرائزيّ من معارضي سعيّد، خاصّة من فريق من أنصار حركة النّهضة، لم ينظروا لفرضيّة التّقارب التّونسيّ الإيرانيّ سوى من منظور عقائديّ، في ثنائيّة سنّة ضدّ شيعة.
وبصرف النّظر عمّا أثاره سلوك سعيّد حيال طهران، فإنّ هناك شواهد عدّة تؤكّد العكس تمامًا، تحديدًا في كون تصريحاته ليست، في الواقع، سوى للاستهلاك الدّاخليّ، مثلما أشارت إلى ذلك رئيسةُ الحكومة الإيطاليّة والحليفة الغربيّة الأهمّ لرئيس سلطة الأمر الواقع، حين عبّر في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023 عن رفضه "الاستجداء من أموال الاتّحاد الأوروبيّ".
فمنذ إطلاق الولايات المتّحدة وإسرائيل حربًا مفتوحة على إيران، بدا الموقف التّونسيّ الرّسميّ مهتزًّا بشكل كبير. ولئن لم يكن مرتقبًا من القيادة التّونسيّة الذّهاب إلى اصطفاف صريح، مع استهداف طهران لعدد من الأهداف السّياديّة والحيويّة على أراضٍ عربيّة، فإنّ بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة جاء مُبهمًا، مفتقدًا للبنية المنهجيّة لأيّ موقف، إذ لم يُحدّد النّصُّ المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".
اقرأ/ي أيضًا: خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر
هل من المنطق بالمطالبة، بأكثر من ذلك؟ قطعًا، لا، من حيث المبدأ، على الأقلّ. بيد أنّ الدّولة التّونسيّة أقامت الحُجّة على نفسها، قبل أسابيع، بأن رفعت سقفَ وقوفها إلى جانب إيران عاليًا. فخلال استقباله وزير الخارجيّة الإيرانيّ، عبّاس عراقجي، في سبتمبر/أيلول الماضي، شدّد سعيّد على أنّ "الإنسانيّة قاطبةً تنتفض اليوم ضدّ الكيان الصّهيونيّ وجرائمه المستمرّة"، مُبيّنًا أنّ "من بين ترتيبات العدوّ الصّهيونيّ بثّ الفرقة وزرع بذور الفتنة بين مكوّنات الأمّة الواحدة". وذهب وزير الخارجيّة التّونسيّ، محمّد عليّ النّفطي، حينها إلى أبعد من ذلك ليقول إنّ بلاده "تقف إلى جانب إيران إزاء أيّ تهديدات تطالها".
بصرف النّظر عمّا أثاره سلوك سعيّد حيال طهران، وإشاعة قُربه من إيران، قولًا وفعلًا، فإنّ هناك شواهد عدّة تؤكّد أنّ تصريحاته ليست موجّهة، في الواقع، سوى للاستهلاك الدّاخليّ
ليست هذه المرّة الأولى الّتي تتراجع فيها الدّولة التّونسيّة عن خطابها المتهافت قبل أن تصطدم بالواقع. فبعد أشهر طويلة من التّصعيد الإنشائيّ حيال إسرائيل، تجنّبت سلطة الأمر الواقع الّذهاب بعيدًا في التّعامل مع هجمة صهيونيّة على أسطول الصّمود العالميّ لدعم غزّة، حين كانت قواربه راسية بميناء سيدي بوسعيد. وكانت البيانات الرّسميّة الأولى، ومعها مواقف أصوات مناصرة لسعيّد، مُنكرة لما حصل بل ومُستهينة به.
ولا يمُكن أن يخرج هذا التخبّط الخَطابيّ عن سياق أعمّ، يتمثلّ في الإيغال في منطق "ما يطلبُه المشاهدون". ومن الغريب أنّ بيانًا للرئاسة، صدر، بداية الأسبوع الجاري، نقل عن سعيّد قوله إنّه لم يعد هناك "مجال لبيع الأوهام". وهو مطلب مشروع وشرعيّ بل ومُلحّ، انطلاقًا من الرّئاسة ذاتها.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
البلديات التونسية في مهب رياح العبث
بعد مرور 3 سنوات كاملة على حلّ المجالس البلدية المنتخبة وإسناد تسييرها إلى الكتّاب العامين (الإدارة البلدية)، لا نزال إلى اليوم لا نعرف إن كانت ستعود إلى سالف عملها تحت إشراف مجالس منتخبة، أم لا
ضياع قرينة البراءة أمام قضاء منزوع الاستقلالية
الضحية ليس المتهم الذي يظلّ بريئًا إلى أن تثبت إدانته، ولكنها قرينة البراءة التي تعدّ حق جوهري لكل فرد، وهي حجر الأساس في الدفاع، ومن حولها ضمانات المحاكمة العادلة
500 دجاجة وكلب ونخّالة!
"المشهد الّذي يختزل تونس في 500 دجاجة وكلب ونخّالة، ليس سوى انعكاس لسياسة إدارة البلاد بعناوين صغيرة في زمن أحداثٍ كبيرة.."
تراجع عقود الزواج في تونس بين 2019 و2023 بأكثر من 12% مع انخفاض عدد الولادات
المعهد الوطني للإحصاء: رغم المنحى التصاعدي المسجّل بين سنتي 2021 و2023، حيث ارتفعت حالات الطلاق بنسبة تقارب 27,2% (من 12 ألفًا و589 حالة إلى 16 ألفا و12 حالة)، فإن العدد الجملي للطلاق سجّل تراجعًا بنحو 7,5% مقارنة بسنة 2019
سنة سجنًا ضدّ الناشط الحقوقي عبد الله السعيد والنيابة تستأنف
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ملف عبد الله السعيد أحيل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي أقرّ بغياب أي شبهة إرهابية، قبل أن يُعاد إلى المحكمة الابتدائية بمدنين. ورغم توجيه تهم خطيرة في مرحلة أولى، تم التخلي عنها لاحقًا والاكتفاء بتتبعات ذات طابع مالي.
جدل في تونس حول التفريط في سندات الكربون والسيادة الطاقية لصالح مستثمرين أجانب
عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز: اللزمات يجب أن تخضع لتقييم خاصة لزمات ديسمبر 2019 والتي كلّفت الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز خسائر بمئات المليارات
مواعيد حافلات النقل العمومي للدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب
شركة نقل تونس: توفير حافلات لتأمين سفرات خاصة لفائدة التلاميذ يوم الأحد 26 أفريل 2026 في اتجاه قصر المعارض بالكرم ذهابًا على الساعة العاشرة صباحًا من أمام المكتبات الجهوية بكلّ من ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنّوبة وإيابًا على الساعة الثانية بعد الزّوال من أمام قصر المعارض بالكرم