أسوار مدينة تونس.. نسيان وإهمال واعتداءات صارخة
22 يونيو 2025
"مدينة تونس العتيقة" أو "المدينة العربي" ليست عمارة للمشاهدة ودروبًا متاهية ممتلئة بالقصص وحكايا التاريخ وبنية تكوينية خصبة تفتح على المطلق الفني، بل هي أكوان فسيحة ومتداخلة ولا محدودة من علامات ثقافية وتشكيلية تحولت مع قرون من الزمن المرصوص إلى خطاب بصري وجمالي صلب وسائل في الوقت نفسه، ومتماسك كنقطة ضوء، له شيفراته الروحانية المتغيرة وله بنيته اللغوية ومرجعياته وحكمته المتوارثة فيما يشبه التيمات المخلّدة.
"مدينة تونس العتيقة" قلب جميل أجلاه القدر فوق ربوة مداها البحر والجبل وأفقها أسطورة الحركة اللامتناهية للتاريخ.. إنها المدينة التي يجب النظر إليها بنقاء وصفاء وداخل زمنيات متناضدة تشبه نسق المتحف أو قاعات العروض الفنية، فالتجوال في أزقتها والوقوف أمام معالمها والتقاط رائحة عطورها وملامسة بوابات منازلها ودورها وقصورها.. هو ملاعبة ومداورة للروح ودهشة مشفوعة برغبات عاتية في العودة مرات ومرات.
عرفت مدينة تونس العتيقة طيلة قرون تشييدها سورين أساسيين، وشهدت أجزاء كبيرة منهما ترميمات وتحسينات وتوسيعات متتالية منها ما هو لأسباب دفاعية عسكرية أمنية وأخرى جمالية وهندسية عمرانية
مقاربة هذه المدينة العتيقة المصنفة بأكملها من قبل اليونسكو على لائحة مواقع التراث الإنساني منذ سنة 1979 لا تتطلب مرجعيات تاريخية قصووية ومثقلة بالأحداث بل تتطلب بعض التمثلات الأيقونية وقليل من التفنن ومحاولة عفوية لفهم ما تقوله الظلال المنكسرة على جدران العمارة الملتوية بلغة المدينة وهي لغة عالمية ميالة للشعر وبحوره الصافية، يصرّفها الكيان كيفما شاءت عاطفته ومنسوب محبته للمكان.
مدينة تونس العتيقة ليست مدينة عربية تأسست حول جامع الزيتونة المعمور، إنها مدينة قديمة شقت الزمان شقًا حتى وصلت إلينا "بكامل مشمشها" فأصولها تعود إلى البربر وحسب منشورات المعهد الوطني للتراث (مؤسسة تتبع وزارة الشؤون الثقافية) تقول الباحثة محبوبة اليحياوي المختصة في مدينة تونس إنّ "أصول المدينة بربرية وقد استند بعض المؤرخين إلى معطيات بربرية لإقامة الدليل على تسمية (تيناس) أو (تونيس) والتي تحولت إلى (تونس) بعد حدوث تغيير طفيف عليها خلال الحضارة اللوبية، كما أن الجذور الثلاثة (ت. ن. س) التي نجدها في أسماء أماكن أخرى بشمال إفريقيا تعني باللغة البربرية: استراحة ومخيّم والنوم أو الذهاب لقضاء الليل في... وذلك بالنظر لدورها الاقتصادي والاستراتيجي الهام على اعتبارها تمثل ممرًا للقوافل التجارية وهو ما يدفعنا للاعتقاد بأن المدينة تأسست على يد سكانها الأصليين..".

وتضيف الباحثة التونسية المختصة في تاريخ مدينة تونس العتيقة "أنه كما بين المؤرخ اليوناني ديدور الصقلي (عاش بين 90 ق.م و20 ق.م) فإنه بعد هزيمة الجيش القرطاجني على يد دونيس الأكبر السراقوزي سنة 395 ق.م استولى مائتي ألف لوبي وهم المتمردون ضد النفوذ القرطاجي على تونس وهو ما يسمح لنا بالقول إن الأدلة الأولى تعود إلى الحقبة التي كانت فيها قرطاج البونية مدينة كبيرة..".
لكن هذا لا ينفي أهمية الفتح العربي الإسلامي مع حسان بن النعمان سنة 80 هجري الموافق لـ 699 م في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان في توسع المدينة وتمددها بالرغم من أن القيروان كانت مقرًا للإقامة ولاة الخليفة وعاصمة دينية وسياسية.
بعد الفتح الإسلامي، تتالت المراحل وتنوعت حقب الحكم، فعرفت مدينة تونس أطوارًا سياسية وإجتماعية وثقافية متسارعة وملاحقة، "ففي 1054 م أصبحت المدينة تحت نفوذ زعيم قبيلة رياح 'عبد الغيث' لكن السكان رفضوا الخضوع لسيطرته فطلب حماية مملكة بني حماد الكائنة بالمغرب الأوسط (الجزائر حاليًا) فأرسلوا ابنهم الشجاع عبد الحق بن خرسان لنجدته فتأسست أول إمارة في تاريخ المدينة وسمّيت بإمارة بنو خراسان وفي سنة 1059 م سقطت المدينة على يدي الحاكم المغربي عبد المؤمن الموحدي.. ثم حكم الحفصيين 1228 م الذين انشقوا على الدولة الموحدية بالمغرب على يد أبو زكرياء الحفصي، فالاحتلال الإسباني سنة 1535 م ثم الحكم العثماني بداية من 1573 م وأخيرًا الاستعمار الفرنسي بداية من 1881 م هكذا أصبحت مدينة تونس عاصمة دائمة للحكم منذ ذلك الوقت إلى الآن".
بقيت أجزاء كثيرة من السور الثاني صامدة أمام الزمن وأمام التوسع العمراني الذي عرفته العاصمة تونس طيلة القرنين الثامن والتاسع عشر، ورغم نشأة الأحياء الأوروبية بمقربة منه إلا أنه ظل شاهدًا بارزًا على تاريخ العاصمة
كل تلك الحقب السياسية التي عرفتها المدينة، خلّفت وراءها منشآت معمارية من مؤسسات حكم ومدارس دينية وثكنات عسكرية ومدارس ودور عبادة وطرقات ومخازن ومسالك للمياه وأسواق وبوابات.. جزء كبير منها مازال قائمًا إلى اليوم يروي للمنصتين المتأملين في التاريخ حكايا بلا نهاية حول ما شهدت تلك المعالم من أحداث ووقائع منها ما لم يكتب بعد.
ومن بين المعالم الكبرى التي شيّدت طيلة تلك القرون من تاريخ مدينة تونس العتيقة، نجد الأسوار الخارجية، وهي معالم دفاعية تحصينية لها خصوصية في الإنشاء حتى تصمد أمام الغزاة وهجوم المدافع فنجدها تمتاز بالارتفاع والسماكة وأبراج الحراسة والبوابات الخشبية الصلبة.
وقد عرفت مدينة تونس العتيقة طيلة قرون تشييدها سورين أساسيين أثبتتهما كتب التاريخ والصور التوثيقية والخرائط التي وصلت إلينا. فالسور الأول يسمى السور الداخلي وقد أقيم بين 1860 م و1890 م حول النواة الأولى للمدينة وكانت به 5 أبواب لم يبق منها سوى باب البحر، أما باقي الأبواب فقد اندثرت وأزيلت تمامًا وهي باب قرطاجنة قرب حي الحفصية الذي وقع هدمه قبل 1881 م وباب الجزيرة وباب سويقة الذي هدم سنة 1861 م وباب منارة، لكن الأسماء باقية خالدة.
أما السور الثاني فقد بني على فترات طويلة إثر التوسع العمراني الذي عرفته مدينة تونس في القرون الوسطى أثناء الحكم العثماني والحكم المرادي والحكم الحسيني وفترة الاستعمار الفرنسي ويذكر أن بداية إنشائه كانت مع الدولة الحفصية في القرن الثالث عشر بأمر من الوزير الحفصي ابن تافراجين لكن أجزاء منه جاءت ملتحمة بالأبواب القديمة للسور الأول وتشكل نقاط التقاء دفاعية وأمنية نجدها بأحياء باب الخضراء وباب البحر والقصبة وباب الجديد.

جلبت حجارة كل من السورين، من مقاطع عديدة متاخمة لمدينة تونس (الجلاز، جبل بوقرنين، جبل الرصاص، مرناق، منوبة، أريانة، المحمدية، السيجومي..) وأيضًا جزء كبير من الحجارة المستعملة في بناء السورين جلبت من المواقع الأثرية الرومانية بقرطاج وأوتيك وأوذنة.
وشهدت أجزاء كبيرة من السورين ترميمات وتحسينات وتوسيعات متتالية طيلة حقب الحكم المذكورة منها ما هو لأسباب دفاعية عسكرية أمنية وأخرى جمالية وهندسية عمرانية فاندمج السور الداخلي أو السور الأول مع النسيج العمراني وأزيل تمامًا لضرورات توسع المدينة ولم تكن هناك مراعاة للقصص التراثية والأثرية المتعلقة بالمعلمين.
أما السور الثاني فقد بقيت أجزاء كثيرة منه صامدة أمام الزمن وأمام التوسع العمراني الذي عرفته العاصمة تونس طيلة القرنين الثامن والتاسع عشر، ورغم نشأة الأحياء الأوروبية بمقربة منه إلا أنه ظل شاهدًا بارزًا على تاريخ العاصمة فتحول الى معلم تاريخي هام شملته القوانين المنظمة للتراث وكانت دائمًا هناك مراعاة للسور الخارجي كلما أرادت بلدية العاصمة تغيير مثال التهيئة العمرانية.. لكن أجزاء كبيرة من السور الخارجي أزالته دولة الاستقلال بين 1957 و1966 للضرورات توسع المدينة وهكذا خسرت العاصمة بل وتونس بأسرها ملمحًا من ملامح تاريخها وشاهدًا أساسيًا على أحداث كبرى عاشها التونسيون في القرون الماضية.
كما ذهبت بلدية تونس مع بداية ثمانينات القرن العشرين إلى تنفيذ تهيئة جديدة داخل المدينة العتيقة عرف بمشروع إزالة الوكايل (والوكالة هي نوع من السكن الجماعي المشترك المنتشر داخل أرباض المدينة) ومن أهدافه الكبرى هو مزيد دمج المدينة العتيقة في محيطها العصري الجديد.. وقد ذهب العديد من الخبراء والمهتمين بتاريخ المدينة في ذلك إلى اعتبار هذا المشروع هو اعتداء جديد على تاريخ العاصمة تونس الممتد لأكثر من ألف سنة.
السور الخارجي الآن في هذه السنوات الأخيرة يبدو في أسوأ حالاته، فقد طاله النسيان والإهمال والاعتداءات الصارخة من قبل المواطنين في ظل غياب تام وواضح للسلط الثقافية والتراثية للدولة التونسية
هذا التدخل الذي حصل انجر عنه إزالة العديد من المعالم التاريخية داخل المدينة العتيقة على غرار ما حدث في ساحة باب سويقة والقصبة وحي الحفصية.. وأيضًا التخلي عن أجزاء من معلم السور الخارجي من جهة باب سعدون وباب سيدي عبد السلام وباب العسل وباب الخضراء.
حُجبت واجهة السور الخارجي لمدينة تونس العتيقة من جهة باب العسل وباب الخضراء وخلال التسعينات فلم نعد نراها بالعين المجردة وذلك باستغلال الأرض التي توجد قبالتها فبنيت مقرات حكومية مثل مبنى فرعي تابع لرئاسة الحكومة ومبنى دار المربي وديوان مساكن وزارة التربية والمدرسة الإعدادية البشير صفر.
السور الخارجي الآن في هذه السنوات الأخيرة يبدو في أسوأ حالاته، فقد طاله النسيان والإهمال والاعتداءات الصارخة من قبل المواطنين في ظل غياب تام وواضح للسلط الثقافية والتراثية للدولة التونسية، فما بقي من السور الخارجي من جهة باب الخضراء أصبح مكبًا للفضلات المنزلية بعد أن كان ضمن المسلك السياحي يزوره آلاف السياح سنويًا.
ما بقي من السور الخارجي لمدينة تونس العتيقة والأبواب التي ارتبطت به هو جزء لا يتجزأ من التاريخ الطويل للبلاد التونسية، وذاكرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وانثروبولوجية للتونسيين، وهو أيضًا جزء أساسي من الوحدة التراثية المتداخلة لمدينة تونس العتيقة وهو معلم جميل ومزدحم بالقصص وبالتالي وجب التدخل من قبل مصالح المعهد الوطني للتراث من أجل إنقاذه من الاندثار ببعث خطة واضحة تقدم هذا الأثر للمستقبل.
الكلمات المفتاحية

مشموم الأقواس.. علامة تراثية مميّزة سافرت من الأندلس إلى تستور
عضو جمعية تراث تستور: مشموم الأقواس التستوري هو علامة تراثية وثقافية من علامات تستور وعادة جلبها معهم أهل الأندلس، هذا المشموم هو مكون من مكونات الأناقة لدى التستوري ودلالة على الانسجام والسعادة والإقبال على حب الحياة، وهذه العادة توارثتها الأجيال وحافظت عليها كذكرى طيبة عن الديار في شبه الجزيرة الإيبيرية

بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها
هذه المنارات التونسية، بني 16 منها زمن الاستعمار الفرنسي لتونس وذلك بداية من سنة 1888، وقد ذهبت فرنسا إلى إنشاء هذا العدد من المنارات بعد أن تعددت مصالحها في تونس.. تعرّف عليها

بالصور.. شواطئ مخفيّة لا يعرفها كثير من التونسيين
بحر تونس الزاخر بالأسرار والحكايات والحافظ للقصص والمانح للجمال. هل نعرف مكامنه؟ هل وقفنا على قصصه الإنسانية، هل أنصتنا إلى أمواجه المالحة من دموع المودعين؟ هل زرنا القصيّ منه؟ هل تأملنا انسكاب الغروب على أديمه مساء؟

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة
معهد الرصد الجوي: ظهور خلايا رعدية مصحوبة بأمطار أحيانًا غزيرة بعد الظهر بالمناطق الغربية للشمال والوسط ثم تشمل بعض الجهات الشرقية أثناء الليل



