ultracheck
اقتصاد

أبواب موصدة.. حين تتحول محلات الملابس الجاهزة إلى مساحات مهجورة

2 يوليو 2026
أبواب محلات موصدة.. حين تتحول "واجهات الأناقة" إلى مساحات مهجورة
المشهد يبدو غريبًا.. الأضواء البراقة التي كانت تسطع من واجهات محلات الملابس الشهيرة انطفأت (مريم الناصري/ الترا تونس)
مريم الناصري
مريم الناصري صحفية من تونس

المكان: أحد أكبر المركّبات التجارية في قلب العاصمة. الزمان: مساء السبت، وهو التوقيت الذي كان يُمثّل ذروة "الزحام" وحركة البيع والشراء طيلة السنة.

اليوم، المشهد يبدو غريبًا، فالأضواء البراقة التي كانت تسطع من واجهات محلات الملابس الشهيرة انطفأت، وحلّ محلها غبار كثيف يغطي الزجاج. هنا، حيث كان صدى ضحكات العائلات ونقاشات الشباب حول أحدث صيحات الموضة يملأ المكان، لا تسمع الآن سوى صدى خطوات قليلة لمتسوقين يسيرون بلا هدف. لافتات للإيجار أو أخرى تعلن الغلق نهائيًا أو تضع المحلّ للبيع، باتت هي القاسم المشترك بين عشرات المحلات التي كانت بالأمس القريب تبيع علامات تجارية. فتحول صخب الحياة التجاري في عدّة محلات إلى ركود مخيف، يهمس بوجود أزمة عميقة تعصف بقطاع تجارة الملابس الجاهزة.

داخل أحد المحلات التي أفرغت رفوفها تمامًا إلا من بعض الشماعات البلاستيكية الملقاة على الأرض، التقينا بعائشة 49 سنة، وهي تاجرة قضت أكثر من 15 عامًا في هذا المجال. تقول لـ "الترا تونس" وهي تجول ببصرها في الجدران العارية: "لم أكن أتوقع يومًا أن أقف عاجزة عن دفع إيجار هذا المحل. لقد صمدنا أمام أزمات كثيرة، لكن السنوات الأربع الأخيرة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. ارتفاع تكاليف السلع المستوردة، وتضاعف معاليم الكراء في المركبات التجارية الكبرى، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطن بشكل غير مسبوق، جعل الاستمرار انتحارًا ماليًا. كنا نبيع لنغطي المصاريف فقط، والآن أصبحنا نبيع لنُسدد الديون. أغلقتُ قبل أن أجد نفسي وراء القضبان".

لافتات للإيجار أو أخرى تعلن الغلق نهائيًا أو تضع المحلّ للبيع، باتت هي القاسم المشترك بين عشرات المحلات التي كانت بالأمس القريب علامات تجارية عامرة بالسلع والحركة

على بعد أمتار قليلة من محلّ عائشة، كانت سناء صاحبة محلّ لبيع ملابس مستوردة، تجمع ما تبقى من معدات الديكور. تحدثت بنبرة يملؤها الإحباط والغضب، "المركّبات التجارية أصبحت مقبرة للمشاريع الصغرى والمتوسطة. هم يطالبون بالإيجار بزيادات سنوية مجحفة، في حين أنّ الزبون لم يعد قادرًا على شراء قميص واحد. الملابس تحولت من مادة أساسية إلى كماليات مؤجلة بالنسبة للعائلات. كما أنّ الأسواق الموازية والتجارة الإلكترونية العشوائية (عبر صفحات التواصل الاجتماعي) أجهزت علينا تمامًا، فنحن ندفع الضرائب والتأمين الاجتماعي والإيجار، وهم لا يدفعون شيئًا". مضيفة "ارتفاع تكاليف الشحن وانخفاض سعر الدينار مع ارتفاع الضرائب صعّب عملنا وبتنا غير قادرين على تحقيق أية مرابيح".

اقرأ/ي أيضًا: إغلاق حوالي 70 محلًا بـ"البلمريوم".. رئيس نقابة التجار يكشف الأسباب لـ"الترا تونس"

غادرنا ذلك المركب التجاري بينما كانت الممرات شبه معتمة لتكشف بوضوح أكبر حجم الفراغ الذي تركه رحيل هذه المحلات. وخلال زيارة إلى بعض المركبات التجارية الأخرى كان المشهد نفسه في عدّة منها. فأغلب المحلات علقت عليها لافتات للبيع وأخرى للكراء فيما علّق على بعضها تنبيهات بالإخلاء.

 

تاجرة لـ "الترا تونس": "لم أكن أتوقع يومًا أن أقف عاجزة عن دفع إيجار المحل. لقد صمدنا أمام أزمات كثيرة، لكن السنوات الأربع الأخيرة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير  (مريم الناصري/ الترا تونس)

 

  • أزمة الملابس الجاهزة

العديد من محلات بيع الملابس الجاهزة في عدّة مركبات تجارية أغلقت وتم تسريح العاملين فيها، وأغلب أصحاب تلك المحلات يتفقون أنّ القطاع يشكو منذ سنوات عدّة مشاكل. فارتفاع كلفة الإنتاج والتوريد بسبب انهيار قيمة العملة المحلية أدى إلى ارتفاع مشط في كلفة استيراد الأقمشة والملابس الجاهزة، يضاف إليها الارتفاع الكبير في الأداءات الجمركية والضرائب المفروضة على القطاع المنظم. إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى التي تمثل المحرك الأساسي للاستهلاك في تونس، بسبب التضخم المالي وارتفاع الأسعار، مما جعل المواطن يُعيد ترتيب أولوياته نحو الغذاء، والصحة، والتعليم، مستغنيًا عن قطاع الملابس.

تاجرة لـ "الترا تونس": ارتفاع تكاليف السلع المستوردة، وتضاعف معاليم الكراء في المركبات التجارية الكبرى، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطن بشكل غير مسبوق، جعل الاستمرار انتحارًا ماليًا

وتشير رُقيّة إحدى الزبائن وهي تتجوّل بين المحلات التجارية إلى أنّها كانت في السابق تشتري كلّ شهر بعض الملابس الجديدة ولكن اليوم باتت لا تقتني إلاّ حاجتها للضرورة بسبب ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة ولاسيما أسعار الملابس المستوردة. مضيفة: "حتى المحلّية باتت أسعارها تشهد هي الأخرى ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة والسبب هو الاعتماد على الأقمشة المستوردة التي تشهد هي الأخرى ارتفاعًا في الأسعار".

بالإضافة إلى ارتفاع أسعار إيجار المحلات التجارية، فإنّ نمو الاقتصاد الموازي وتجارة التهريب، والفوضى التي يشهدها قطاع البيع على الإنترنت دون رقابة ضريبية، خلق منافسة غير عادلة كبّدت المحلات القانونية خسائر فادحة. خاصة مع ارتفاع كلفة الإيجار في المساحات الكبرى إذ تعتمد المركبات التجارية على عقود إيجار قاسية جدًا ومرتبطة بنسب التضخم، وهو ما لم يعد يتحمله رقم معاملات التجار الذي يتراجع بشكل مستمر.

 

تاجرة لـ "الترا تونس": كنا نبيع لنغطي المصاريف فقط، والآن أصبحنا نبيع لنُسدد الديون. أغلقتُ قبل أن أجد نفسي وراء القضبان (مريم الناصري/ الترا تونس)

 

يذكر أنّه يوجد قرابة 82 علامة تنشط على مستوى السوق الداخلية، تعتمد على آلية عقود الاستغلال تحت التسمية الأصلية في قطاع الملابس الجاهزة منها 9 علامات وطنية و73 علامة أجنبية، وأهمها العلامات الفرنسية والإيطالية. فيما يبلغ عدد تجار الجملة لمنتجات النسيج قرابة 704، وعدد تجار الجملة في الملابس الجاهزة 694 تاجرا. في حين يُمثّل عدد تجار التفصيل للمنتجات النسيجية 3950 تاجرًا وعدد تجار التفصيل في الملابس الجاهزة 14608. ويوفر القطاع ككل حوالي 3 آلاف موطن شغل ويضم 381 تاجر جملة و2444 تاجر تفصيل. 

  • الإنفاق على الملابس الجاهزة لم يعد من أولويات التونسيين 

العديد من المستهلكين يؤكدون تراجع انفاقهم على الملابس الجاهزة بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع المقدرة الشرائية. إذ باتت الأولوية موجهة للصحة والتعليم والتغذية.

صاحبة محلّ لبيع ملابس مستوردة: المركّبات التجارية أصبحت مقبرة للمشاريع الصغرى والمتوسطة. هم يطالبون بالإيجار بزيادات سنوية مجحفة، في حين أنّ الملابس تحولت من مادة أساسية إلى كماليات مؤجلة بالنسبة للعائلات

ويشار إلى أن نتائج آخر مسح وطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر في تونس، كشف عن ارتفاع حصة التغذية في إجمالي الإنفاق من 28.9 بالمائة سنة 2015 إلى 30.1 بالمائة سنة 2021 بعد أن عرفت منحى تنازليًا لعدة عقود. 

وبلغت هذه النسبة حوالي 35 بالمائة بالنسبة للأسر الأقل إنفاقًا، ومن جهة أخرى، تراجعت حصة النفقات المخصصة "للنقل" بثلاث نقاط مئوية سنة 2021، ولم تتجاوز حصة إنفاق التونسيين على الملابس 11.6 بالمائة خلال سنة 2021.

إنّ إفلاس تاجر وغلق محلّه ليس مجرد خسارة مالية فردية، بل هو سلسلة من الوظائف المفقودة من عمال مبيعات وعملة نظافة وغيرهم، ونزيف حاد في شريان الاقتصاد المنظم.

 

 (مريم الناصري/ الترا تونس)

الكلمات المفتاحية

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة

صاحب المبادرة التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري..


انقطاع الكهرباء في تونس.. أزمة هيكلية أم بوّابة انفجار اجتماعي؟

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي

لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين


الدولار أفب.jpg

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟

كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان


اقتصاد جيتي.jpg

تعليق التداول في بورصة تونس.. إجراء وقائي أم مؤشر خطر؟

تساؤلات عديدة في الساحة المالية والاقتصادية في البلاد، خاصة حول أسباب اتخاذ قرار تعليق التداول في بورصة تونس وتداعياته المحتملة.. فما رأي المختصين؟

عائلات المفقودين
مجتمع

"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس

قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..

الممرضين تونس
مجتمع

هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب

أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..


لماذا تعترض جامعة التعليم الثانوي على المنصة الرقمية لتنزيل الأعداد الرقمنة غيتي.jpg
مجتمع

التحول الرقمي.. دعوة إلى مجانية الخدمات الإدارية الأساسية للمؤسسات

رحبت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بما جاء في..

قائمة المدارس الخاصة في تونس
مجتمع

انتقادات لتركيبة الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية.. ما التفاصيل؟

تم تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية وهم..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

محمد عبو: غازي الشواشي يواجه وضعًا صحيًا صعبًا داخل السجن


2
مجتمع

أسعار الزقوقو تحت ضغط تراجع الإنتاج.. وتحذيرات من المنتجات المهربة


3
اقتصاد

تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر


4
مجتمع

وفاة طفل جرفته السيول في المكارم بسيدي بوزيد


5
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%